خلافا للجندي الشجاع شفيك

هآرتس – دمتري شومسكي

قبل اكثر من عقد قال فلادمير بوتين إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان الكارثة الجيوسياسية الاكثر قسوة في القرن العشرين. في حين أن هذه المقولة مشكوك فيها، على اقل تقدير، فان سقوط امبراطورية اخرى، المملكة النمساوية الهنغارية الهبسبورغية، التي انتهت بصورة رسمية في 11 تشرين الثاني 1918 في مثل هذا اليوم قبل مئة سنة، تناسب هذه المقولة بلا أي شك.
خلال عشرات السنين بعد انهيار مملكة عائلة هبسبورغ، المؤرخون الغربيون لوسط وشرق اوروبا عادوا واعلنوا المرة تلو الاخرى بأن الامبراطورية التي تقع على ضفاف الدانوب كان كيان قديم مصطنع ومتعب، كانت نهايتها معروفة مسبقا. ايضا ادعوا، كان ذلك "سجن قوميات" ضخم، الذي كان هو الثاني بعد النظام القيصري البربري للقياصرة الروس. حوالي 12 شعب مختلف شكلوا الدولة الهبسبورغية، والذين تم ضمهم اليها مع مرور الزمن بفضل صفقات الزواج الناجحة للامبراطورية، لم يشعروا كما يبدو بأغلبيتهم العظمى بأي علاقة بالانتماء اليها، لقد كره احدهما الآخر كراهية مماثلة، وحلموا دائما بالتحرر الوطني، الذي جاء في نهاية الامر مع انتصار دول الغرب الكبرى الليبرالية في "الحرب الكبرى" والاخيرة للهبسبورغيين.
ولكن في العقود الثلاثة الاخيرة وبفضل سلسلة طويلة من الابحاث الجديدة في التاريخ العسكري والسياسي والاجتماعي والثقافي لاستراليا – هنغاريا في ايام حكم فرانتس يوزف الطويلة (1848 – 1916)، فان التفسير القاطع والمغرض هذا بشأن السنوات الاخيرة للدولة الهبسبورغية أخلى مكانه لرؤية مركبة اكثر ومتزنة اكثر. المؤرخون الهبسبورغيون الجدد، ومن بينهم المؤرخة الاسرائيلية البروفيسورة ايريس رحميموف، اوضحوا بأنه ليس كل التشيك وأبناء الشعوب الاخرى في المملكة، نظروا اليها بنفس الاحتقار الذي شعر به نحوها الجندي الشجاع شفيك، بالعكس، بسبب عدة اسباب اقتصادية وثقافية وأمنية، فان الزعماء المتحدثين باسم معظم الحركات الوطنية لشعوب مملكة هبسبورغ فضلوا بصورة واضحة الحفاظ على الامبراطورية. وفقط ارادوا أن تجري اصلاحات متعددة القومية، وتغير نظامها من الهيمنة ثنائية القومية القمعية للهنغار والالمان النمساويين الى الطريقة الفيدرالية الديمقراطية، متعددة القوميات والمساوية.
كجزء من الجهود لتشجيع اصلاح شارك فيه عدد من ممثلي الشعوب المضطهدة وكذلك جزء من المتحدثين الليبراليين للشعوب المهيمنة، طورت قبيل نهاية ايام الامبراطورية صيغ مركبة وشاملة للواقع المدني متعدد القوميات، التي حاولت التوفيق بين حقوق المواطن الفردية والحقوق الجماعية الوطنية. هذه الصيغ حظيت بالتطبيق الاول والتجريبي نوعا ما في المناطق الحدودية للمملكة على صيغة تنازلات اقليمية متعددة القوميات. ولكن في النهاية لم تؤد الى شيء: الشعوب المهيمنة رفضت التنازل عن تفوقها السياسي، ممثلو الحركات الوطنية لباقي الشعوب زادوا من تطرف مطالبهم. وفي المقابل، مع الدخول الى الحرب الزائدة والخاسرة فقد اصبحت ايام المملكة معدودة.
إن أحد من المؤرخين الجدد للامبراطورية الهبسبورغية لا يقلل من شدة التوتر والاستقطاب الوطني التي سادت في ارجائها في عقودها الاخيرة. ولكن مثلما كتب في هذه الصحيفة قبل فترة طويلة أحد مواليد براغ الهبسبورغية، روبرت وولتش، ولا واحدة من المشاكل الوطنية التي عانت منها مملكة عائلة هبسبورغ لم يتم حلها عند تفككها. بالعكس: الدولة الجديدة التي قامت على انقاضها، والقديمة – الجديدة التي حصلت منها بالوراثة على زيادة في الاراضي، والقوميات التي مثلت في نظر الدول العظمى في الغرب المنتصرة، انتصار المبدأ العابر لحرية تقرير المصير للشعوب، كانت في الحقيقة – بما فيها تشيكوسلوفاكيا مسريك – دول مركزية اثنية في جوهرها. في حين أنه من ناحية اجتماعية – ديمغرافية كانت تلك دول متعددة القومية ليس أقل من الدولة الهبسبورغية، فانه خلافا لها قامت تلك الدول بتمويه هذه الحقيقة واخفائها من خلال تحويل قمع الآخر الوطني الى العنصر الاساسي في رؤية تقرير المصير لـ "الأنا" القومية. نتيجة لذلك فان العداء بين الاثنيات في شرق ووسط اوروبا ما بعد الهبسبورغية، زاد وتعمق. وفي النهاية اضاف الزيت القاتل على شعلة جهنم النازية.
يهود شرق ووسط اوروبا في النمسا – الهنغارية وخارجها، بمن فيهم زعماء صهاينة بارزين، قدروا ربما أكثر من أي شعب آخر من المحيطين بهم، الدور الحيوي للامبراطورية في قمع غريزة القومية المتطرفة وكراهية "الآخر" في أواخر القرن التاسع عشر. ثيودور هرتسل كان من المعجبين بفرانتس يوزف، قدر حربه ضد اللاسامية في مملكته، وأمل أنه بمساعدة الهجرة اليهودية، التي ستبدأ في اعقاب الصهيونية، سيكون بالامكان نزع الشوكة اللاسامية من حركات اليمين المتطرف التي سعت الى تقويض المملكة. زئيف جابوتنسكي، قبل سنتين من اندلاع الحرب العالمية الاولى، تنبأ بثقة تامة بأن الدولة الهبسبورغية لن تتفكك الى الأبد، بل ستعيد تشكيل نفسها كفيدرالية لشعوب حرة. كذلك بعد، ورغم انهيار الامبراطورية النمساوية – الهنغارية، الصهاينة المركزيون من مواليد شرق اوروبا، مثل بيرل كتسنلسون وبن غوريون وجابوتنسكي وغيرهم، واصلوا النظر بصورة واضحة الى الدولة الهبسبورغية كموقع مناسب لتبني افكار المواطنة متعددة القوميات التي يجب تطبيقها في البلاد. هذا من خلال فهم واضح بأنه باعجابهم بالنماذج المدنية المتسامحة من "انتاج هبسبورغ"، فانهم يضعون نموذج البديل المناسب للاثنية الوطنية المتطرفة المتصاعدة في الفضاء ما بعد الهبسبورغية.
اجل، بدون نفي الصفات القمعية وغير الديمقراطية للتطلع الصهيوني ما بعد تصريح بلفور، بتحويل الفلسطينيين من اغلبية الى اقلية في وطنهم – فان صورة المستقبل السياسي التي وضعها صهاينة كثيرون أمام اعينهم، سواء بخصوص ارض اسرائيل أو بخصوص شرق ووسط اوروبا ما بعد الامبراطوريات، كانت ترتكز على حلم الديمقراطية متعددة القوميات، التي ستحترم، سواء حقوق الاقلية القومية للعرب في الدولة اليهودية أو حقوق الاقلية القومية لليهود في الدول غير اليهودية. هذا الحلم كان بالنسبة لعدد منهم بصورة واضحة جزء من التراث السياسي للنمسا الهنغارية.
شبيها بفترة ما بعد الهبسبورغية، فان القومية المتطرفة، مركزية العرق والعنصرية، ترفع اليوم بفخر رأسها، سواء في فضاء شرق ووسط اوروبا، أو بعيدا خارجها. ولكن، ليس مثل تلك الايام، فان من يتفاخرون بالحديث اليوم باسم الصهيونية والمصالح الحيوية للشعب اليهودي، بنيامين نتنياهو ومعاونيه يرتبطون اليوم بشكل علني وبدون خجل مع المعسكر القومي المتطرف وغير الليبرالي، في الوقت الذي فيه ايضا اللاسامية القاتلة لممثليه، التي جبت مؤخرا ثمن دموي كبير في الهجوم في بتسبورغ، لا تجعلهم يستيقظون. ليس لديكم بصورة مؤكدة رمز حزين يعبر عن الافلاس القومي – الاخلاقي للصهيونية والدولة اليهودية. في نفس الوقت أسس عقيدة المواطنة الشاملة، المخبأة في مكان ما في الماضي الصهيوني ما بعد الهبسبورغية، تبقي مع ذلك أملا لاحتمالية الاصلاح الذاتي.