رجال القانون الدستوري يلعبون بالنار

هآرتس – ميني ماوتنر

في الأسابيبع الأخيرة يجري نقاش حي بشأن عقيدة "التعديل الدستوري غير الدستوري". النقاش ثار في أعقاب تقديم التماسات لمحكمة العدل العليا لفسخ قانون القومية.
هنالك تبرير بسيط لكون هذه العقيدة لا يمكن أن تعتبر جزءا من القانون الاسرائيلي: لاسرائيل لا يوجد دستور. إن مقولة "ليس لدينا دستور" مهمة في سياقين. أحدهما هو السياق القانوني – المفاهيمي. هنالك اتفاق واسع بين رجال القضاء الدستوري، أنه بقوانين الأساس الاسرائيلية لا يوجد حتى الجزء القليل من المميزات التي يمكن أن نجدها في دساتير العالم، والتي تملي المعنى المقبول لمفهوم "دستور". لهذا يجب ان نضيف "قرار هراري" التي اتخذت الكنيست في حزيران 1950 والتي بمقتضاها في لحظة مستقبلية ما ستحدد الكنيست أن مشروع سن قوانين الأساس استكمل وحينئذن تجمع قوانين الأساس في دستور. الكنيست لم تصل في يوم ما إلى هذا.
ولكن لمقولة "ليس لدينا قانون" أيضاً يوجد معنى أساسي عميق. الدستور هو وثيقة تجسد الصلاحيات الواسعة بشأن مبادئ الأساس لنظام الحكم. الدستور يوضع بشكل عام على يد جمعية تأسيسية انتخبت من قبل الشعب بشكل خاص من أجل بلورة المبادئ الأساسية. عملية كهذه من النقاشات بين المجموعات الرئيسية في المجتمع، والتوصل إلى تفاهمات بينها بشأن المسائل الأساسية، لم تجر في يومٍ ما في اسرائيل. في دول فيها تجري عملية كهذه ربما يوجد منطق للعقيدة التي تقول أن" تعديل الدستور هو غير دستوري"، إذا انحرف عن المبادئ الأساسية التي وافق عليها الشعب في الدستور الذي وضعه. ولكن في اسرائيل، وفي غياب دستور ما الذي يمكن أن يعتبر هو القاعدة للإدعاء بأن قانون أساس يشُذ عن مبادئ الأساس التي أخذها الشعب على عاتقه؟.
أجل، قانون القومية يثبت: الادعاء بأن القانون غير دستوري يتسند على الادعاء بأنه يناقض مبادئ الأساس للقضاء الاسرائيلي بمجمله، وليس، حسب ما هو مقبول في دول أخرى على الادعاء بأن القانون يناقض مبادئ الدستور. نظراً لأنه "لا يوجد لنا دستور"، ليس بالإمكان الادعاء بأن قانون القومية يناقض مبادئ الدستور، ويتطلب في هذ الحالة تجنيد كل مبادئ الأساس للقضاء. ولكن هذه هي مبادئ غير محددة، ولهذا كل استخدام لها سيعتبر اتخاذ موقف خصوصي من قبل أحد المجموعات المتنافسة في الصراع على تشكيل الثقافة الاسرائيلية.
علاوةً على ذلك، على خلفية الالتماس لإلغاء قانون القومية يقف توقع أن تقوم المحكمة العليا بفسخ القانون بسبب أنه يناقض المبادئ الديموقراطية – الليبرالية للقضاء. ولكن مَن يتوقعون ذلك ينسَون ما أوضحه في مرات لا تحصى شخص ليس سوى أهرون باراك: القضاء الاسرائيلي مؤسس أيضاً على مبادئ أساس تجسد القومية اليهودية. مَن سيكون لدينا عالقاً عندما تناقش المحكمة في قانون القومية سيفضل مبادئ الديموقراطية الليبرالية؟ هل ربما سوف يعطى وزن زائد بالتحديد للقومية اليهودية، ويرسخ أكثر التدني الآخذ في التزايد للمبادئ الديموقراطية – الليبرالية في القضاء الاسرائيلي؟ رجال القضاء الدستوري لدينا يلعبون بالنار.
الالتماسات ضد قانون القومية هي ذروة عملية سلبية تجري في القضاء الاسرائيلي منذ قرار حكم بنك همزراحي سنة 1995. مثلما قرر القانونيون في البلاد وفي العالم أكثر من مرة حتى قرار الحكم ذاك، طورت المحكمة العليا قضاءً دستورياً فاخراً للدفاع عن الحقوق الليبرالية. لقد نجح في الوصول إلى هذه النتائج الكبيرة نظراً لأنه طوَّر القضاء الدستوري على ظهر القضاء الإداري. عندما قُدمت التماسات ضد جهات الإدارة العامة، وضعت المحكة مبادئ القضاء الدستوري التي تحدد حدوداً لعمل الإدارة العامة.
هذه المقاربة تم التخلي عنها في قرار حكم بنك همزراحي ،ابتداءً من هذا القرار فإن المحكمة تطور القضاء الدستوري عن طريق نقاش في مسألة دستورية قوانين الكنيست، وربما كما قالت المحكمة أكثر من مرة هنالك اختلاف بين فسخ قرار إداري وفسخ قانون للكنيست. حرية العمل في الحالة الأخيرة أضيق بكثير من تلك القائمة في الحالة الأولى. أجل هنالك شواهد واضحة على أنه منذ قرار حكم بنك همزراحي تأخذ المحكمة قرارات إشكالية، والذي  تضطر إلى الدفاع عنها بتبريرات إشكالية من وجهة النظر الليبرالية.
يبدو أن المحكمة نفسها تعترف بإشكالية رفع منسوب النظام الدستوري من مستوى الإدارة العامة إلى مستوى الكنيست. منذ أكثر من عقد وهو يتسخدم عقيدة النضج، والتي توجه الملتمسين إلى تقديم التماسات ضد سلطات الإدارة التي تستخدم التشريع وليس ضد التشريع نفسه.

 ولكن إذا كان رفع منسوب النقاش الدستوري إلى مستوى التشريع هو إشكالي من وجهة النظر الديموقراطية- الليبرالية، فإنه إشكالي أكثر رفع المنسوب إلى المستوى الأعلى وهو منسوب قوانين الأساس.بروح عقيدة النضج، ومثلما أن المحكمة تريد الامتناع عن الانشغال بمسألة دستورية قوانين الكنيست، من أجل الامتناع عن الحاجة إلى اتخاذ قرارات هي إشكالية من الناحية الديموقراطية- الليبرالية، هكذا عليها الامتناع من مناقشة مسألة دستورية قوانين الأساس. إذا لم تتصرف المحكمة بهذه الصورة، سنواصل اتخاذ أحكام فيها القيم الديموقراطية- الليبرالية تنسحب من أمام القيم القومية ليس فقط على مستوى التشريع بل أيضاً على مستوى قوانين الأساس للدولة.