تُثري بصيرة طلبتها بالتمثيل والموسيقى!

خريجة "القدس المفتوحة" توظف الدراما في تعليم "الإنجليزية"

الخليل- الحياة الجديدة- أيهم أبوغوش- تدخل هند التميمي (35 عامًا) مكان عملها في جمعية الكفيف الخيرية بمدينة الخليل بخطوات متحفزة للعطاء،لتدرك صاحبة الجلباب الأسودّ أن الظلمة أشدّ حلكة من كونك كفيفًا، فمن حرم نعمة البصر ليس كمن فقد بصيرته، فتاه في دهاليز يتبختر فيها من دون هدف، ولهذا فإنها تزرع الأمل في نفوس لا تحدّها إعاقة بصرية بتعليمهم اللغة الإنجليزية من خلال الدراما.
ابتسامة تعلو على محياها وهي تفتح باب الصف، لترفع صوتها عالياً متحدثة بثبات وثقة باللغة الإنجليزية "جود مورننج"، فيرد تلاميذ مكفوفون على معلمتهم "جود مورننجتيتشر".
إلى هنا يبدو كل شيء يسير عاديا كأي حصة تعليمية، ولكن ما هي إلا لحظات لتبدأ هند بدعوة تلامذتها إلى الاصطفاف، وعلى مسافة قريبة في حجرة ملاصقة يقف زميلها محمد طميزي أستاذ الموسيقى أمام آلة البيانو، يبدأ بتحريك أنامله على الآلة، بينما تنغمس هند في مساعدة التلاميذ على ارتداء قمصان بيضاء وأخرى ملونة تمثل مهن مختلفة، منها زي الشرطة، والأطباء، ورجال الأطفاء،  يمسك الطفل همام المدبوح (10) أعوام مجسماً لمقود سيارة وهو يردد ما تتلوه معلمته من كلمات على أنغام الموسيقى باللغة الإنجليزية "أنا سائق"، ثم يردد زملاؤه الكلمة ذاتها.
تمضي الساعة سريعاً، والأطفال الصغار الذين كانوا يجدون صعوبة في تعلم اللغة الإنجليزية أصبحوا الآن أكثر تفاعلاً معها، فهم يلعبون، ويسمعون الموسيقى، ويتبادلون أدواراً لتعلق مصطلحات لطالما استصعبوا من حفظها في مخيلتهم.
"الآن أردد الأغنية، وأصبح حفظ المصطلحات مهمة سهلة" يقول التلميذ مصطفى أبو سنينة، بينما تلخص الطفلة ريتاج أبو داوود التجربة بقولها" تعلم اللغة الإنجليزية صعب خاصة لدى الأطفال المكفوفين، ولكن لأن المعلمة تستخدم الموسيقى فإن الأمر أصبح سهلاً، فنحن نحفظ الأغنية ولهذا تبقى الكلمات راسخة في أذهاننا".
تتوسط هند حلقة نصف دائرية من التلاميذ، تمسك بيمناها يد طفل، وبيسراها يد طفل آخر، بينما تتشابك أيادي الأطفال في سلسلة سرعان ما يتحرك كل واحد فيها حسب ما تطلبه المعلمة وهو يردد كلمات محددة على إيقاع الموسيقى.
حرمهم الله من البصر، لكن منحهم نعمة السمع، ولهذا تجدّ هند في هذه الأساليب الحديثة فرصة لتوسيع مدارك التلاميذ من خلال التركيز على حاسة السمع، فالتعليم ليس فقط تلقيناً بل عملية تفاعلية تراكمية.
ترتسم ابتسامة عريضة على وجه هند بعد أن أنهت حصتها التعليمية للصف الرابع الأساسي، "توقفي أمام هذه اللافتة"، قلتها لها قبل أن تغادر الاستراحة، لم تترد في الوقوف لالتقاط صورة تذكارية، وهي تؤمن بأن شعارا رفع على لوحة معلقة في المدخل الرئيسي لجمعية الكفيف الخيرية بمدينة الخليل حقيقة لا مجرد قول" ليس هناك شخص  معوق بل مجتمع معوق"، في إشارة إلى أن الإعاقة لاتحدّ الطموح بل ربما تعزز الإرادة وصولاً إلى أعلى مراتب النجاح.
تترك جمعية الكفيف الخيرية بمدينة الخليل التي تأسست عام 1980 وباشرت نشاطها الفعلي عام 1992 لمسة إنسانية لا تهدف إلى الربح، لهذا أدرجت الجمعية برنامج رعاية شاملة، بما يشمل الرعاية الصحية والاجتماعية والتأهيل بمختلف أنواعه لفئة الأطفال المكفوفين، لذلك فهمت هند أنها أمام مهمة إنسانية تهدف إلى كسر العوائق وتعليم أطفال يريدون أن يصعدوا السلم بالإرادة والتحدي.
(73) طالبًا وطالبة في الجمعية مكفوفون ملتحقون بالصفوف الدنيا من الروضة حتى السابع الأساسي، ولهذا حرصت التميميعلى تطوير إمكانياتها لأنها تؤمن بأهمية أحلام أبناء شعبها وإنجازاتهم، وبأن فقدان البصر ليس سببًا لكي تحرم هذه الفئة من حقوقها في التعليم والتطور والنجاح.
تعلمت هند لغة "بريل" لتُعين هؤلاء الطلبة على مواجهة الصعوبات التي يعيشونها يوميًا، وحرصت على ابتكار أسلوب تعليمي يتلاءم وحالتهم، إذن لمَ لا تقرن التعليم باستخدام الغناء ووسائل ملموسة بنهج درامي تخييلي له أثر كبير في تطوير قدرات هؤلاء الأطفال على التفكير النقدي واستخدام المعلومات وتطويرها في حل المشكلات؟ أجل، نمّت فيهم روح الفريق والعمل الجماعي وساعدتهم على الاعتداد بهويتهم الشخصية.
هند تحب وظيفتها لأنها ترغب في دعم الطلاب للمضي في حياتهم، إلا أنّ تدريس الأطفال المكفوفين تحديدًا أغنى تجربتها بصفتها معلمة وإنسانة، وهذا في نظرها هو حجر الأساس في رحلتها التعليمية وفي كثير من الأمور في حياتها.     
تجربتها تلك، وأسلوبها في تعليمها فئة المكفوفين، جعَلاها مربية متميزة، فقد نشر اتحاد معلمي الرقص البريطاني ((NATD تجربتها في عدد مجلته الصادر في شهر تموز 2018، وأشاد بها معلمو المدرسة الصيفية للدراما في بريطانيا.
اختارت هند الدراسة في جامعة القدس المفتوحة منذ البداية، فهي تؤمّن الفرصة المناسبة للطلبة الذين يواجهون مشكلة في الانتظام، عبر نظام التعليم المفتوح، وكونها أمًا لطفلين لم يكن بإمكانها أن تكمل دراستها إلا في جامعة القدس المفتوحة الوحيدة على مستوى الوطن التي تعتمد هذا الأسلوب من التعليم، وهو نظام تعليمي عصري يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويطوّع المحددات الاجتماعية والثقافية، ويتعامل مع تعدد الأدوار، سواء للمرأة أم للرجل، كما يوفر فرص التعليم والتعلم بجودة عالية وتكلفة ملائمة، ما يسّر لها المزامنة بين دراستها الجامعية وأسرتها، فاستطاعت الاستمرار والعطاء والتفوق والإبداع.
حصلت هند على معدلات عالية طوال فترة دراستها، كما تصدرت المرتبة الأولى على التخصص، فالأساليب التعليمية المتطورة في الجامعة، التي تنوعت بين لقاءات وجاهية ولقاءات عبر الصفوف الافتراضية، ساعدها في التميز أكاديميًا ومهنيًا.
تقول هند: "من الأمور التي ساعدتني كثيرًا حرْص الجامعة على تعزيز مبدأ الاعتماد على الذات، لما يوفره النظام من وسائل التعليم المفتوح؛ كالبوابة الأكاديمية، والصفوف الافتراضية، والتعليم المدمج، وقد انعكس هذا على أدائي من خلال دراستي الماجستير، حيث يكون الطالب محور العملية التعليمية، وهو الذي يسعى إلى البحث والتطوير والحصول على المعلومة".
تنهي هند عملها اليومي، وهي أكثر ايمانًا بأن ثمة رابط مشترك بين مؤسسة تعمل فيها لإعداد تلامذة كفيفين كي يكونوا قادرين على إعداد أنفسهم قبل انتقالهم إلى مدارس المبصرين ابتداء من الصف السابع، وبين جامعة درست فيها تولي الكفيفين رعاية خاصة بإنشائها أربعة مختبرات حاسوب للمكفوفين في فروعها التعليمية. 
ثمة رابط آخر بين مؤسسة تعتمد على التبرعات لتوفير مقوماتها المالية كي تؤدي وظيفتها تجاه فئة حرمت البصر، وبين جامعة تعفي طلبتها المكفوفين من الرسوم الجامعية لتجعل هؤلاء قادرين على خدمة أنفسهم ومجتمعهم، وتبث فيهم طاقة منتجة وفاعلة في المجتمع. ووفقًا لذلك تواصل هند أداء رسالتها، فالمكفوفون قد حرموا من نعمة البصر، لكنّهم يستحقون أن ينالوا فرصة التعليم ولو بأدوات تفاعلية جديدة.