فحص الثلاسيميا..إجراء "خارج القانون"!

أعداد المرضى تقترب من الصفر والفحص المخبري وفّر نحو 200 مليون دولار على الخزينة العامة.

 

تحقيق:آمال نوفل
ترتسم على وجهه تقي الدين ابن الـ(26) عامًا، معاناة سنوات امضاها متنقلًا بين المشافي لنقل الدم شهريًا، كونه مصابا بمرض تكسر الدم ليمضي حياته والامل يحدوه بحياة افضل.
تقي الدين عاش حياته معزولاً عن أبناء جيله في المدرسة بسبب مرضه، وانزعاجه من غيابه المتكرر عن مدرسته ويسأل دومًا: "ليش أعطل عن المدرسة وأروح كل شهر على مستشفى لإجراء فحوصات الدم؟!".
تساؤلات زملاء تقي الدين في المدرسة عن سبب شحوب وجهه أو نحفه أو قصر قامته كانت تصله دون امتلاكه الإجابة؟!، فكيف له معرفة او فهم مرضه الوراثي "الثلاسيميا" الذي حمله عن والديه ؟
مع مرور الوقت أصبح تقي الدين قادرًا على اجابة تساؤلاته شيئًا فشيئًا، واستيعاب معاناة مرضه الوراثي وقال:"هذا قدري تفهمت الموضوع وأسعى للعلاج كي أعيش كإنسان طبيعي".
وتابع تقي الدين: "لو واعيا بمرضي وتابعته صحيًا ما وصلت لهذا الوضع، ولو تلقيت متابعة صحية لكن نموي طبيعيًا"، مشيرًا إلى أن مرضى الثلاسيميا الآن يحصلون على كل ما يحتاجونه من وحدات الدم المحفوظة في بنك الدم دون الحاجة لوجود متبرع، بالإضافة إلى توافر الأدوية المكلفة جدًا، حيث تبلغ تكلفة علاج الشخص الواحد من10-15 ألف دولار سنويًا.
في فلسطين كان يولد (40)حالة سنويًا حتى عام 2000، ما شكل عبئًا كبيرًا على ميزانية الدولة، ما دفع الجهات ذات العلاقة لتكاتف جهودها للحد من ولادة حالات جديدة من اخلال إصدار تعميم يلزم الأزواج إجراء الفحص الطبي قبل الزواج وإبراز شهادة صادرة عن وزارة الصحة تشير إلى خلو أحد الزوجين من السمة الوراثية للثلاسيميا. في اطار تكاتف جهود المجتمع المحلي مؤسسات وحكومة لتخفيض عدد حالات الثلاسيميا التي تؤدي إلى انخفاض نفقات العلاج الملقاة على كاهل الدولة.
وأضاف تقي الدين:"بتحز بنفسي اشوف مرضى أصغر مني يتألموا ويعيشوا الحياة اللي عشتها" وتابع: "بحب اقول ان اهمية الفحص الطبي يا بتكون سعيد بحياتك يا بتكون تعيس، وفشي حب بيدوم"، هذا ما عبر عنه تقي الدين في التأكيد على إجراء الفحص الطبي قبل الزواج كي لا يرى بعده من يتألم. 
إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج:
ولم يكن هناك طريقة لتخفيض أعداد حالات الثلاسيميا إلا بالتأكد من أن المقبلين على الزواج ليسوا حاملين ولا مصابين بالثلاسيميا، عبر إلزامهم بإجراء فحص الدم قبل الزواج؛ لأن احتمالية الإصابة تزيد عندما يكون كلا الزوجين يحملان الصفة الوراثية للمرض.
الإلزامية بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج كانت إحدى الحلول في مواجهة هذا المرض المكلف ماليًا ونفسيًا، حيث أصدر الشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة سابقًا تعليمات حول مرض الثلاسيميا وكيفية تخفيضه ومنع اتمام عقود الزواج دون الفحص وحصول العروسين على شهادة خلو من مرض الثلاسيميا التي تصدرها وزارة الصحة.
وحسب ما قاله التميمي، فإنه لا يمكن خفض نسبة الإصابة بهذا المرض إلا من خلال إلزام العروسين بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج، موضحًا أنه منذ صدور القرار لن يعقد قران إلا بعد الفحص الطبي للتأكد من خلو أحد الزوجين من الإصابة بهذا المرض أو حمله؛لأن المرض ينتقل إلى الجنين إذا كان الطرفان مصابين بهذا المرض.
وتابع: "طلبنا من الرجل الخاطب إجراء الفحص أولاً لمعرفه إذا كان يحمل هذا المرض أم لا، لأن خلو أحد العروسين من المرض يكفي لإتمام عقد الزواج حتى لو كانت الزوجة تحمله".
وجرى تعميم هذا القرار على المحاكم الشرعية في فلسطين بعدم إتمام عقود الزواج إلا بعد فحص أحد الزوجين ونبدأ بالخاطب الرجل".
وشكل صدورالتعميم نقطة فاصلة رغم عدم وجود نسب أو أرقام أو كيفية إجراء الفحص، ما دفع جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا إلى إصدار تعميم لاحق تبع التعميم الصادر من ديوان قاضي القضاة يتضمن العديد من القضايا التي يجب توضيحها بخصوص إلزام الفحص، وخاصة أنه لم يكن هناك وعي مجتمعي كاف حول الموضوع، بالإضافة إلى عدم معرفة كيفية قراءة الفحص لمعرفة الحامل من المصاب من السليم.
د.بشار الكرمي، رئيس جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا، أوضح ما جرى بعد إصدار التعميم والتخوفات من نتائجه، وقال:"كان لدينا تخوف من عدم قدرتنا على مواكبة السرعة التي صدرت فيها التعليمات عام 2000، حيث صدرت تعليمات ملزمة في شهر (5) في المحافظات الشمالية وفي شهر (9) على مستوى قطاع غزة، دون توضيح التفاصيل ونحن كجمعية أدخلناها لاحقًا واشتملت على المؤشرات التي سنعتمدها وما هو الرقم الذي يعتمده المختبر حتى نقول إن هذا يحمل الصفة الوراثيةأو لا.

 

ما هو الفحص الطبي قبل الزواج؟
الفحص الطبي قبل الزواج هو فحص الدم الكامل CBC، المتوافر بشكل مجاني في وزارة الصحة، وخلاله تظهر عدة نتائج من ضمنها معدل  الـMCV حجم كريات الدم الحمراء، وحجمه الطبيعي يتراوح ما بين (80-100)، فإذا كانت نتيجة الفحص أكثر من (80) فهذا إنسان سليم يتم اعتماد فحصه وإقراره ويعطى شهادة خلو من المرض، أما إذا كان الفحص أقل من (80) فيصبح مشكوكًا في هذه النتيجة ولا يتم اعتمادها لاحتمالية حمل الفاحص للصفة الوراثيةللثلاسيميا، فلا تعطى له شهادة لأنه كما أوضح د. علي عبد ربه "أقل من(80) لا نعطيهم الشهادة التي هي مثل علامة التوجيهي".
ومن ثم فإن الزوج يصبح أمام خيارين، إما أن يجلب خطيبته لإجراء الفحص، فإذا كانت نتيجة فحصها أعلى من(80)حينئذ يحصلان على الشهادة أو يخضع لفحص آخر للتأكد من أنه حامل، وهو فحص الترحيل الكهربائي أو في غالبية الحالات لا يتم الزواج، وهذا أفضلها للابتعاد عن الشك. 
وجرى إلزام الشباب أولًا قبل الفتيات بإجراء الفحص الطبي، وفي حال تبين إصابة الشاب بالمرض يتم إخضاع عروسه للفحص بعد ذلك، وكان هذا الشرط لأسباب اجتماعية وعلمية وطبية مرتبطة بثقافة المجتمع، خاصة فيما يتعلق بالفتاة إذا كانت حاملة للصفة الوراثية.
أما الأسباب العلمية الطبية، فهي أن الفتيات غالبًا ما يكن يعانين من نقص الحديد، ما يؤثر على نتيجة الفحص الذي يظهر أقل من المعدل الطبيعي كمعدل الحمل للسمة الوراثية للمرض، فلا يتم منحها الشهادة على الرغم من عدم حملها للسمة.

 

آلية إجراء المخبري 
الأول: فحص CBCعد الدم الكامل التي تبين فيها نتيجة الـMCVونتيجتها الطبيعة من80-100 والغالبية العظمى يكتفون بهذا الفحص إلا إذا كان هناك شك في النتيجة فينتقل إلى فحص آخر.
الثاني: فحص الترحيل الكهربائي الذي يجب أن تكون نتيجته الحد الأعلى لها 3.7، وأقل من هذا الرقم يقبل ويكون سليمًا، وفي حالات أقل يحتاج إلى فحص آخر لوجود شك أيضًا في نتيجة هذا الفحص.
الثالث: فحص الموروثات الـ DNA وهو آخر فحص ويعطي نتيجة أكيدة لا شك فيها.
يشار إلى أن فحص الترحيل الكهربائي وفحص الموروثات لا تتم في الوزارة، وإنما على نفقة المفحوص، وبعد إجراء الفحوصات والتأكد 100% من أنه لا يوجد أي احتمالية لحمل الصفة الوراثية والتأكد منها من قبل وزارة الصحة حينئذ يتم منحه الشهادة.
وأشار الدكتور علي عبد ربه، رئيس قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة التي تصدر شهادة مسؤولة عن محتوياتها وتتحمل كافة مسؤولياتها وكاتب المأذون الشرعي، يأخذ بهذه الشهادة ويعتمدها، لذلك يجب أن تكون دقيقة تمامًا.

 

الفحص في وزارة الصحة والأخطاء في النتائج:
فحص عد الدم الكامل أو(الفحص الطبي قبل الزواج)، وهو فحص سهل وبسيط وفي متناول الجميع، يجرى بشكل مجاني في وزارة الصحة، يسجل الخاطب للفحص في قسم التسجيل ويجري الفحص في المختبر،ويصدر المختبر النتيجة لطبيب الطب الوقائي؛ فإذا كانت نتيجته طبيعية يعتمده ويقرره ويوقع عليه ويعتمد من مدير الصحة أو من ينوب عنه.
أما الأخطاء فأوضح د. علي عبد ربه: "لأن الموضوع سهل، فإن أول خطوة هي(CBC) وننظرإلى(MCV) حجم كريات الدم الحمراء، فإن كانت طبيعية(80 فما فوق) فاحتمالية أن يكون الشخص حاملاً لصفة الثلاسيميا صفر، أما إذا كانت أقل من 80 (79.9) فهذا الفحص غير قابل ليكون معتمدًا، بالتالي يصبح ملغيًا، فينتقل إلى الترحيل، وإذا كانت نتيجة الترحيل غير مقنعة ننتقل إلى"DNA".
ولا يعطى من كانت الـ"MCVJ" عنده وعند خطيبته أقل من 80، لأنهما في الأغلب حاملان للصفة، إلا إذا كانت لديهما رغبة في إكمال الفحوصات التي تحدد لهما إن كانا حاملين.فالأخطاء تكاد تكون معدومة.
وزارة الصحة تبنت فحص الثلاسيميا منذ عام 2008:
إلزامية الفحص الطبي  بدأت بقرار الشيخ تيسير التميمي، وكانت شهادة الخلو إلزامية حتى عام 2008، حيث تصدر من جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا، وكان الفحص حتى وقتها يجرى في مختبرات خاصة على نفقة الشخص. 
ومنذ عام 2008، تبنت وزارة الصحة الفحص الطبي قبل الزواج عام 2008 في عهد وزير الصحة د. فتحي ابو مغلي، وأن يجرى في مختبراتها مجانًا، وهي الوحيدة المخولة إصدار شهادات الخلو.
وكان لصدور الفحص الطبي من المختبرات الخاصة العديد من السلبيات والأخطاء الشائعة، إذ حدث العديد من حالات التزوير، إضافة إلى عدم الالتزام بنتيجة الـ MCV أن تكون (80)  فما فوق، وكان هناك تهاون فيها فيقبلون الأقل بحجة أنها قريبة وتصدر الشهادة وتنتج حالات مريضة.
وإحدى هذه الحالات، كما أبلغتنا جهاد أبو غوش (أمين سر جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا كان في الخليل): "حصلت بعض الأخطاء في بعض العائلات في الخليل، إذ دخلت في قضية عشائرية مع وزارة الصحة"، مبينة أن الوزارة اكتشفت فعلاً أن هناك خطأ في المختبر، ذلك بفرض إجراءات صارمة لردع هذا المختبر، وأعطت الحل البديل للعائلة لعمل زراعة أنابيب باختيار الطفل السليم ـوكان بتبرع من مختبر رزان، فكان الزوج خياره إما الطلاق أو زراعة أنابيب لزوجته لاختيار العينة السليمة (البويضة السليمة)، وفعلًا تم هذا الإجراء وفشل الحمل ثم ابتعثت إلى إيطاليا لزراعة نخاع على نفقتها ". ولفتت إلى أنه بعد أن تبنت وزارة الصحة الفحص الطبي أخذ الموضوع زخمًا وجدية وأهمية أكثر.
وأشار د. بشار الكرمي إلى أهمية تبني الصحة للفحص في انخفاض الأخطاء التي كانت تحدث في المختبرات الخاصة "عندما دخلت وزارة الصحة على المشروع، يعني باختصار لما يكون الموضوع محصور بين(  100و200) مختبر مش زي ما يكون محصور في (14) مديرية صحة ، ووزارة الصحة في نهاية المطاف جهة رسمية في مسؤولية وفي تدوين وارشفة الخ".
أما أبو غوش، فأثنت على الوزارة تبنيها للفحص وقالت: "نحن لا نستطيع تحمل مسؤولية المواطنين، ولكن مسؤولية المواطن يجب أن تقع على كاهل وزارة الصحة".
أما سبب عدم تبني وزارة الصحة للفحص الطبي منذ بداياته، فكما أوضح الدكتور علي عبد ربه:"كل بداية يكون لها تقديرات، ومع الوقت يتم تقييم للعمل وللأداء"، مضيفًا: "عندما رأت وزارة الصحة أن هناك إمكانية للتزوير والتحايل والتلاعب بجلب فحص من أي مختبر، أضحت المشكلة أننتيجة الفحص( 78أو 79 ) كأنها حالات غير حاملة للثلاسيميا، في منح المختبر للحامل شهادة بأنه غير حامل للثلاسيميا".
وأضاف:"لكن هنا نقع في إشكالية انخفاض المعيار من (80-77) ، فهنا ما الفرق بين ( 77 و76) وبيصير ينزل للـ( 60ولل 50) بما انو اعطى للي معاه 70 بعطي 69 وهكذا يكون دخل لمنطقة الخطر لأنه دخل في حالات 90أو 95% مصابة مش بس حاملة للصفة هنا تنبهت وزارة الصحة فقالت يجب ان يسود القانون ونحن لا نعطي الا حسب معايير احنا بنحددها دايما انا بحكي زي علامة التوجيهي 49.9 راسب و79.9 لا يعطى شهادة".

التحايل على الفحص الطبي قبل الزواج وعقابه:
في بدايات الفحص الطبي، وبالإضافة إلى الأخطاء الشائعة، كانت هناك حالات تحايل على الفحص، بمعنى أن يكون المقبلان على الزواج حاملين للسمة، ويتحايلان كي يتزوجا لأسباب عدة.
وكشفت حالات مصابة بالمرض أنه مع وجود الإلزاميةفإن هناك استحالة لإجراء عقد زواج بدون شهادة خلو، ما دفع بعض الحالات للتحايل على القانون، وهذا بأن يكون الفحص مسجلاً باسم شخص، والفحص يجرى لشخص آخر، وتصدر النتيجة على اسم المسجل.
وبهذا الخصوص أصدرت وزارة الصحة تعليمات جديدة عند إجراء الفحص في مختبراتها، وهي كما أشار د.علي عبد ربه، إلى فرض إجراء إبراز الهوية عند عمل الفحص للتأكد من الشخص.
ثمة فتيات لم يمتلكن هوية لأنهنتزوجن قبل السن القانونية لإصدار الهوية،وهؤلاء لم يخضعن للفحص، وبالتالي شهادة لهن.
وعند سؤال الدكتور علي عبد ربة عن وجود عقاب أو ردع لمن يتحايل على القانون القائم، فأجاب: "من يتحايل على القانون سيعاقب، فقانون الصحة العامة صارم جدًا ويخول وزارة الصحة رفع دعوى من النائب العام والنيابة لأنها مسؤوليتنا، وأضاف قائلًا:"هذا مش حقك، حق الدولة والصحة، انت مش حر، انت حر بحالك، ولكن إذا بدك تأثر على المجتمع فمش من حقك تقرر".
أما جهاد أبو غوش فوصفت الفحص بأنه "أسهل فحص ممكن عمله في الأمراض الوراثية هو الثلاسيميا، لكنه أصعب الأمراض تقبلاً على المستوى المجتمعي".
المشاكل الاجتماعية التي تواجه الفحص الطبي:
كما تم الإشارة سابقًا إلى أن للفحص الطبي تبعيات اجتماعية، وخاصة أننا نعيش في مجتمع شرقي،الذي يصبح فيه حامل المرض مصابًا، ويوصم بوصمة اجتماعية على عائلته فلا يتزوج منها أحد، وخاصة في ظل غياب الثقافة، كما أشار الدكتور بشار الكرمي إلى هذا.
وقال الكرمي:"فحص ما قبل الزواج في ظل تواضع المستوى المعرفي لدى المواطنين كم بنت إذا شخصت انها تحمل الصفة الوراثية ممكن انها تكمل زواجها بعد هيك وبعد سنوات من التفكير المعمق وهذا بنفتخر فيه كمجتمع فلسطيني نحن المجتمع الذي طرح نموذج ان فحص الشاب".
وأكمل: "نحن عندما نتكلم مثلا عن 50ألف عقد قران، لنفرض سنويا إذا بنحكي عن 4% يحملون الصفة الوراثية إذا (50)ألف بنت سيفحصن، 2000 بنت سيحملن الصفة الوراثية فكم بنت في ظل تواضع المعلومة العلمية عند الشباب أو العائلة المقابلة يمكنلها أن تكمل الزواج؟!
وأضاف:"فهذا كان سؤال حساس جدًا،ونحن لا نريد-لا سمح الله-أن نتخلص من مشكلة مرضية ونوجد مشكلة مجتمعية، هذاإضافة إلى عدم المعرفة الكافيةلدى الناس بطبيعة هذا المرض الوراثي، فلا نريد أن يشهر الموضوع بأن لدى البيت الفلاني الصفة الوراثية، فهذا أخذ منا جهدًا كبيرًا من أجل أن نوصل معلومة صحيحة للمواطن الفلسطيني"، مؤكدًا أهمية نشر الوعي والثقافة حول الموضوع، وخاصة في بداياته.


نشر الثقافة في موضوع الثلاسيميا:
تضافرت الجهود المجتمعية في نشر الثقافة حول موضوع الثلاسيميا وما زالت تنشره حتى اللحظة حتى توصل المعلومة الصحيحة للمواطن ويتم بناء جيل جديد خال من الثلاسيميا وواع له.
فأغلبية المقبلين على الزواج يمرون على فحص الثلاسيميا كأي إجراء آخر متطلب لعقد الزواج ولا يعرفون أو يتعمقون فيه ويعلمون ما هو،كما أشارت جهاد أبو غوش، لهذا كان من المهم نشر الثقافة والوعي حوله.
ونشر الثقافة يجب أن يكون من كل الجوانب التي يتعرض لها الإنسان حكومية أو غير حكومية، فعملت جميعا بجانب بعضها إلى جانب إلزامية الفحص الطبي بتفتح مدارك المواطنين ووعيهم لهذا المرض ومخاطره.
فالجمعية عقدت الندوات والدورات والتدريبات وعملت مع المؤسسات الأخرى لنشر الموضوع،وقامت وزارة التربية والتعليم بتضمين هذا الموضوع في مناهجها، ووزارة الإعلام الممثلة بوسائل الإعلام المختلفة قامت بنشر معلومات حول الموضوع، أما وزارة الصحة فبالإضافة إلى تبنيها الفحص الطبي بشكل مجاني في مختبراتها، قامت من خلال دائرة التثقيف والتعزيز الصحي بنشر الثقافة والوعي حول موضوع الثلاسيميا.
لبنى الصدر، مديرة دائرة التثقيف الصحي، قالت:"الثلاسيميا من الأولويات التي تهتم فيها وزارة الصحة،فقد دعمت موضوع الفحص الطبي قبل الزواج، ونحن كدائرة التثقيف بقضايا التوعية تشاركنا مع الجمعية من خلال تدريب كوادر تثقيف صحي موجودة في كافة مديريات الصحة في الوطن، بالإضافة إلى إصدار نشرات تثقيفية بالتعاون معهم في المرحلة المتقدمة أكثر".
وأضافت:"عملنا على قضايا التوعية والوقاية من هذا المرض مع فئة المرضى أيضًا"، موضحة أنه تم تنفيذ برامج الصحة الإنجابية خاصة، لتوعية الأزواج الشابة المقبلين على الزواج، ولهذا الغرض عقدت عدة ورشات تدريبية لمجموعة من الكوادر الصحية والتثقيفية وتدريبهم كمدربين على أساس أن يواصلوا العمل مع فئة الأزواج الشابة، سواء الذين يرغبون بعقد قرانهم أو متزوجون حديثًا أو فئة الجامعات،بهدف توعيتهم حول موضوع الثلاسيميا.

 

إصرار حاملين للسمة الوراثية على الزواج:
هناك بعض الحالات التي تصر على الزواج رغم حملها السمة الوراثية بشكل قطعي، فتكون هناك إجراءات أخرى في ظل عدم وجود قانون منع زواج، وذلك بمحاولة ردعهم بعدة طرق، كنصحهم.
ففي حالة حملهما للصفة الوراثية لا تكون هناك شهادة خلو، فقلة الجواب جواب،وفي هذه الحالة يكونوا قد أخذوا الرد القاطع من وزارة الصحة، وهنا يكون الموضوع كله عند المحكمة الشرعية فإذا توجها للمحكمة بدون شهادة خلو فلن يتم عقد القران، وسيتم تحويل الموضوع أو ترحيلهم إلى رئيس المحكمة ويعرضهم على الجهات ذات الاختصاص لنصحهم للعدول عن قرارهم، فإذا لم يعدلوا فمن يكون له الحق أن يقرر إذا كان القران سيعقد أم لا، وإن كان سيتخذ إجراءات أخرى أم لا، لأنه وكما أوضح  د.علي عبد ربه بأنه "الموقف،عندنا نحن في وزارة صحة، ليس موقفنا،فلسنا من نعقد القران،ومن يعقده المحكمة الشرعية التي وبدون شهادة من وزارة الصحة تثبت خلو الشخص من الثلاسيميا يجب ألا تكتب الكتاب،بل يكاد يكون مستحيلًا إلا إذا رغبا في الزواج دون كتب كتاب، وهذا مستحيل أيضًا".
فحدثنا د.علي عبد ربه عن حالة مشابهة كانت تصر على الزواج:"قبل عد أشهر جاءناشخص يريد أن يخطب فتاة قريبة له، وبعد الفحص تبين أن كليهما حاملان للصفة،ما يعني عدم إمكانية منحه شهادة الخلو من المرض، فأخبرنا بأنه على استعداد ليمضي على تعهدبإجراء فحص DNAوإحضارالنتائج، فقلنا له إذا كانت النتائج تسمحفلا مانع، ولكن هذا الفحص يجرى في مستشفى المقاصد.
لماذا تعد إلزامية الفحص تعميمًا وليست قانونًا؟
الفحص الطبي قبل الزواج هو تعميم صدر عن قاضي القضاة عام 2000 ولم يقر كقانون، وذلك لعدة أسباب، فكما أشارت جهاد أبو غوش: "فعلاًجرى نقاشه في قانون الصحة العامة بوزارة الصحة لعام1999، إذ تم إدراج إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج بقانون،ما يعني منع أي حالات تحمل الثلاسيميا من الزواج، ولكن المجلس التشريعي في ذلك الوقت لم يفعل هذا البند في قانون الصحة العامة،وبعد ذلك تجمدت أعمال المجلس التشريعي".
والأهم من هذا كله، هو الأخلاقيات: "كان في محاضرة في المؤتمر الثاني قدمها د. أمية خماش تكلم عن عدم جواز منع أي اثنين يرغبان بالزواج من بعضهما، لذلك نجاح محاصرة المرض جرى عن طريق الإلزام كتعميم لا قانونًا".
هذا بما يتعلق بعد إصدار قانون، وكما أوضح الشيخ تيسير التميمي "لا يتم إلا به، فهو واجب إذا ما رأى ولي الأمر أن منع انتشار مرض يتأتى بإلزام المجتمع بالفحص الطبي قبل الزواج".
إلزامية الفحص وانخفاض أعداد المواليد المصابين بالثلاسيميا:
انخفضت أعداد المصابين من المواليد الجدد بمرض الثلاسيميا بشكل كبير جدًا، حيث وصلت إلى قريب الصفر، وهذا بسبب الجهد الشعبي الوطني الذي حدث في فلسطين بإلزامية الفحص من جانب، ورفع الوعي بمخاطر هذا المرض من جانب آخر، وكانت نسب الانخفاض ملحوظة منذ عام 2002:نسب الانخفاض جدول رقم(5):
 
 
أسباب وجود حالات جديدة مصابة بالثلاسيميا:
ما زالت هناك حالات جديدة مصابة بالثلاسيميا،لكنها محدودةجدًا تعود إما لأزواج وأسر تكونت قبل عام 2000 وإما لأسر تكونت خارج فلسطين لم تتعرض للتثقيف والتوعية التي تعرض لها المواطن،وأحياناً تكون حالات نادرة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.
وأشار د. الكرمي إلى أن تأثير الزيجات القديمة يستمر لمدة (20) عامًا من الإنجاب، لهذا من المتوقع أن ينتهي تأثيرها وصولًا عند عام 2020.
انخفاض الانفاق الحكومي:
وهذا الانخفاض في أعداد مرضى الثلاسيميا صاحبه تراجع ملحوظ في الإنفاق الحكومي بسبب انخفاض عدد المصابين، مبينًا أنه باحتساب وجود 60-70 حالة ولادة كل عام قبل عام 2000 مصابة بالمرض وصولًا إلى نسبة ولادة صفر بعد هذا التاريخ يعني توفير قرابة 150-200 مليون دولار كان يمكن لوزارة الصحة أن تنفقها على المرضى فيما لم يتم تطبق الإجراء الخاص بالفحص المخبري قبل الزواج. 


حلول علاج المرضى ومدى توفر العلاج:
حلول علاج الحالات الحالية إما دائمة أو مؤقتة، فالمؤقتة بنقل الدم الدوري والعلاجات الأخرى للحفاظ على نسبة الحديد في جسم المصاب.أما الحلول الدائمة فهي زراعة النخاع، وهي حل مطروح كما أشار الدكتور بشار الكرمي"في بروتوكول اتفاقية بين وزارة الصحة والحكومة الإيطالية وبروتكول آخر مع اليونانيين والجمعية ممثلة بعضو في لجنة لاختيار الحالات المؤهلة للاستفادة من هذه العمليات".
وأضاف: "في اللقاء الأخير كان هناك اختيار لأول 10 حالات للذهاب إلى إيطاليا من أجل إجراء العملية، ولكن لا تستطيع علاج الـ 800 مريض بالكيفيةنفسها"،أما العلاج بالموروثات فلم ينجح على أرض الواقع حتى الآن.
الاستغناء عن الفحص الطبي قبل الزواج:
والاستغناء عن فحص الثلاسيميا كمتطلب لعقد القران ممكن، كما أوضح الدكتور بشار الكرمي، ويتطلب ذلك عدم وجود حاملين للسمة، وهذا يحدث بالمتابعة من الحالات الحاملة، فهي مشكلة جيل أو جيلين، مشيراً إلى أنه يمكن الاستغناء عن الفحص الطبي قبل الزواج إذا تم توفير ضمانات بإجراء الفحص كمتطلب لإصدار الهوية،بحيث يتعرض المواطن لمعلومة علمية تخصه شخصيًا، فعندما يأتي لخطوة الزواج يكون عارفًا أنه يحمل الصفة الوراثية،فيبحث عن فتاة لا تحملالصفة الوراثية، لافتًا إلى أن الجمعية خاطبت مجلس الوزراء بخصوص هذا الاقتراح في انتظار الرد.
ويبين أنه يمكن تطبيق هذا الإجراء على مرحلتين، في الأولى-وتكون مدتها عشر سنوات-يجري الشخص الفحص مرتين، مرة عند إصدار الهوية، وأخرى عند عقد الزواج، ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية التي يمكن فيها الاستغناء عن إجراء الفحص عند الزواج بتثبيت إجراء الفحص عند إصدار الهوية.
وعلى الرغم من التقدم الصحي وتوفير الأدوية لمرضى الثلاسيميا إلا أن نسبة الوفاة ما زالت ترتفع بسبب الإهمال أو عدم توفير أدوية، وقد يتمثل السبب الأهم في الرعاية، فلا يوجد طبيب مختص بمرض الثلاسيميا وإنما طبيب أمراض دم.
تقي الدين لا يزال يشدد على أهمية إجراء الفحص قبل الزواج كي لا تعاني الأجيال الجديدة مما عاناه هو.تقي الدين أصبح اليوم نموذجًا يحتذى به في التحدي والإصرار والتعايش مع المرض فيقول: "الثلاسيميا ما بعتبره مرض،بعتبره صديق". المريض يستطيع التغلب عليه إذا عالجه بشكل صحيح، ومرضى الثلاسيميا يعيشون حياة طبيعية، فتقي الدين أنهى دراسته في الكلية العصرية متخصصًا في إدارة الأعمال، وهو الآن يعمل في جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا ويكمل دراسته في جامعة القدس المفتوحة متخصص في الإدارة، وما زالت صدى عباراته تتردد دائمًا " المرض مش عائق"، و"مريض الثلاسيميا إنسان عادي".

*هذه المادة أعدت بالتعاون مع كلية الإعلام في جامعة القدس المفتوحة