تغريدة الصباح- حنان باكير

عشق البسطاء

حيفا تحضرني بقوة، وتأتيني بكامل ألقها وكرملها، في هذه الأيام. ربما مردّ ذلك إلى تواصلي مع أهلها الذين انزرعوا في أرضها ولم يبارحوها. وللصور التي تصلني من الأصدقاء، وإطلالة شرفاتهم الحيفاوية على عكا. 
مساء أمس، اتصل بي الصديق حسن عبّادي، تحدثنا طويلا. وفاجأتني زوجته الصديقة سميرة، بإرسال صورتين له، وهو يحدثني من على شرفتهم الكرملية، وتبدو خلفه أضواء عكا ومن أمامه أضواء الكرمل وبين المدينتين المنيرتين بحر بدا مظلما، إلا من أنوار خافتة لبعض المراكب! ولما كنت أبحث عن موضوع لتغريدتي، فقد حضرتني الفكرة لكن بطعم العلقم.. واستعدت مرارة ذكرى الحيفاويين الذين رحلوا في المنافي، وهم يحلمون ببحر حيفا. فهؤلاء يعشقون بصمت ويرحلون بصمت، حاملين معهم أحلام العودة ولقاء البحر. 
الحيفاوية "حمامة"، وهذا اسمها. سكنت ذات يوم على جبل الكرمل، وانتقلت إلى طيرة حيفا. يوم أقسرت على الرحيل في العام 1948، غادرت إلى عكا مثل كثر من الحيفاويين. وحين سقطت مدينة عكا ارتحلت إلى لبنان مع أطفالها. ووجدت نفسها في شاحنة لبنانية، تنقلهم إلى مخيم ويفل قرب بعلبك. كان المخيم عبارة عن ثكنات عسكرية فرنسية، تقع في واد بعيد في منطقة ريفية معزولة. غرف المخيم، تفتقر لأبسط الشروط التي يجب توفرها للسكن الآدمي.. لا ضوء ولا تهوية، منطقة طقسها يحاكي، مناخ دول الشمال. 
بعد سنة من النكبة، فقدت "حمامة"، ابنها الشاب، بسبب البرد. فقد كانت الحمّامات خارجية. استحم الشاب وعاد إلى غرفته في يوم شتائي قارس البرودة، فمرض ولم يجد العلاج اللازم!
قررت العائلة مغادرة المخيم إلى بيروت، وقاموا باستئجار بيت. وأخذتهم تفاصيل الحياة اليومية. تفاصيل وإن اختلفت من عائلة لأخرى، الا أن الهاجس الأكبر المشترك، كان تعليم الأبناء. يوم تخرج ابنها عمر من الجامعة، جاء فرحا يزفّ الخبر لأمه.. طلبت منه بالمناسبة، أن يأخذها لمشاهدة البحر.. فهي لم تره منذ غادرت بحر حيفاها! خرج الاثنان في نزهة الى البحر، وقادتهما خطواتهما الى منطقة الأوزاعي.. لا أحد يدري ماذا دار بينهما من حديث، فيما هما متسمران يرنوان الى البحر، ربما أخبرته عن بحر حيفا، وعن الكرمل وطيرة حيفا، وعن عذابات اللجوء الباردة التي اغتالت أخيه.. لم يستطع أحد نقل ما دار بينهما، قبل أن تنحرف شاحنة كبيرة، الى شاطئ الأوزاعي الرملي، وتقنص حياتهما.. الخرّيج الجديد مع أحلامه المستقبلية، وحياة الأم التي حلمت برؤية البحر، الذي يذكرها ببحر حيفا!
الحاجة "ريمي" الحيفاوية الجميلة. لا تملك حكاية درامية. فهي تحب الرقص والفرح والغناء. تنثر الابتسام أينما حلّت. ريمي حكايتها البسيطة والعادية، في ظاهرها، تعكس اعتداد الفلسطيني بنفسه، ومكانة المرأة عند رجال عائلتها.. انتشر في حيفا خبر، خيانة زوجها لها، وهي الجميلة بشكلها وروحها ومرحها.. فعزّ على والدها، ما شاع بين الناس فقام بتطليقها.. لتتزوج مرة ثانية، برجل "أحسن منه"، كما كانت تقول، وإن كانت غير راضية عن طلاقها! ريمي أورثت مفتاح بيتها في حيفا، لابنها البكر، وحين شعر الابن الوارث بضعفه، أورثه لابنه.. ثلاثة أجيال توارثت مفتاح البيت، حتى الآن..
الحيفاوي عزيز، الذي رحل قبل شهرين. اشتهر عزيز في منطقته، بمزروعات حديقته من الخضار وبعض الفاكهة الفلسطينية البذور والأشتال. فأنبت خضارا فلسطينية بنكهة نرويجية، وأطعم منها جميع أصدقائه. كان يفتخر بانتمائه الكنعاني الحيفاوي. وقبل وفاته أوصى برفع علم كنعان، الذي كان قد أعدّه بنفسه منذ أكثر من 35 سنة..
أما وداعه، فقد كان عرسا للعشق الفلسطيني. حين سُجّي تحت شجرة تفاح في حديقته، حضر العديد من الأصدقاء والأهل من حيفا الى أوسلو لوداع الكنعاني الشرس في الدفاع عن انتمائه. تحت شجرة التفاح، ودعته زوجته، بالأغنيتين اللتين كانا يترنمان بها في أمسياتهما الهادئة.. فغنت له "يا ظريف الطول"، و"يا ديرتي حمّلوا يا ديرتي شالوا، يا ديرتي واشعلوا في القلب نيران".. إلى أن وصلت إلى "حيفا يا ميمتي.. بالعين خبيني.." غصّت بعبراتها.. وتوقفت، ووضعت على صدره، باقة من الزعتر والغار والنعنع والمريمية، أحضرت له خصيصا من حيفا..
أما الحيفاوي د. يوسف عراقي، فقد أحضر كيسا صغيرا مطرزا بنقوش فلسطينية، ويحتوي على حفنة تراب من حيفا، كان عزيز قد أحضرها له.. ووضعها على صدره لجهة القلب..
اتصال هاتفيّ من حيفا، نبش الركن الحيفاوي من ذاكرة وطن سنظل نتعشقه.