عيــد الأب

دينـــا سَليـــم حَـــنحن

لا تمتحن ذاكرتي أيها الزمان، فوالدي ذهب ولن يعود.
يحتفل الشعب الأسترالي يوم الأحد الثاني من شهر أيلول، وهو ثاني أيام فصل الربيع أيضا، بعيد الأب.
تتعطل الأعمال وتمتليء الحدائق بالتجمعات الأُسرية، وتتزاحم السيارات على الطرقات، عيد رسمي يعظم من احترام وتكبير معنويات الأب الذي يساند زوجته بكل شيء، بداية من البيت واعتنائه بأطفاله والعمل على تربيتهم والسهر عليهم، ونهاية، بغسل وكيْ ثيابه واعتماده على نفسه، لذلك نجد المرأة متفوقة في أعمال صعبة، كالطبابة والتمريض وقيادة الشاحنات بين الولايات، والخدمة في الجيش وفي الأسطول البحري، والغطس والصيد، وفي مجال متغيرات المناخ، وغيرها من الأعمال التي تتطلب منها أن تقضي خارج بيتها عدة أيام، وربما عدة شهور.
امتحنت هذه المظاهر ذاكرتي وأخذتني إلى مكان وزمان بعيدين، وحطتني على كتفي والدي الذي بدأ عمره مثل عِـرق زيتون ينتظر القطاف ولم يجد من يقطفه، وأنهاه بزنبقة شاحبة وضعت على التابوت الذي جيء به محمولا من أمريكا ليدفن في الوطن.
كلما اشتقت له، جسست نبض عقلي وما تركه لي من أثر حتى لا أنسى الحادثة الأليمة التي حصلت لنا معا، وذلك عندما تعرضنا لحادث قسمت الدراجة الكهربائية التي قادها إلى قسمين، سقط أمام الحافلة التي كادت تودي بحياته حتى يحميني من الموت المحقق، حملني بين يديه وهو ينزف دما، طار بي مشيا على الأقدام ينادي أول سائق مر في حينه، ومكث معي في المشفى عدة أيام حتى شفيت من جرحي الذي قسم جمجمتي إلى قسمين.
تعافيت، وتعافينا معا، وكلما ابتسم يكبر جرح الذكريات مثلما كبرت شفته العليا التي انقسمت إلى نصفين.
والدي اليوم يذكرني بالعمر الذي مضى، تدمع عينه فألقمه نظراتي لنبكي معا كلما شاهدنا مشهدا في السينما التي هربنا إليها كل يوم جمعة، يغلق كفي على القرش، مصروفي الأسبوعي، به اقتنيت أجمل الكتب، معا تسللنا من البيت هربا من وجه والدتي التي خشيت من حادث الدراجة، ليضعني أمامه ونطير نحو الحرية، نخترق المسافات بالضحك والقهقهة والغناء حتى نصل دار السينما، ونعود معا والحزن يغرف منا، يطلب مني أن أسمعه ما حفظته شفهيا من السيناريو، ينصت لي جيدا ويتوه بأفكاره كلما مسرحت له المشاهد، يذهب إلى البعيد جدا، وننهي حلبة التمثيل بجملة رددها (ليتني كنت مثل فريد شوقي)!
أذكره عندما جلس القرفصاء وساعد والدتي بغسل الثياب عندما تعطلت الغسالة، كم حرص على نعومة يدي والدتي! وقام بتقطيع البصل وتحريك الطعام وتقشير حبات الصّبر، لقمنا أنا واخوتي أشهى اللقمات، لكنه عصى رغبة والدتي عندما تمنع من ذبح الفراخ، فتنجيه من اللوم جارتنا، تأتي مسرعة، تضع الفرخة تحت قدمها وتمرر السكين على رقبتها، وفي لحظة البرق تكون قد أنجزت مهمتها.
اختار لي اللون الزهري للكرتون حتى يغلف لي أولى رواياتي، ووضع أصبعه في المنتصف قائلا (هنا تكتبين اسمي مع اسمك)!
وكلما استقللنا الدراجة معا، نتوقف عند الحديقة العامة، هناك أقرأ له ما سهرت عليه من قصائد وقصص.
الأب الذي يحتفى به هو من يؤمن بقدرات أبنائه ويعترف بمهاراتهم ويشجعهم على تحقيقها، هكذا كان أبي.