عرض مسرحي يحكي النهاية "الجناح الأخير"

ميس عاصي

   
         لحظة دخول الجهور تبدأ الرحلة، قاعة المسرح مكيفة، كانها غرفة مستشفى، يجلس الجمهور في مقاعده، وتمتلىء القاعة بالهمس الكل يتحدث مع بعضه ، كأن المسرح هو نقطة للقاء، مجاملات ابتسامات، لتنطفئ الانوار،  وتلتقي الانظار نحو نقطة البداية.
       خشبة المسرح عارية من ستائرها، ارضية بيضاء، في طرفها ينام رجل على سريره في غرفة الطوارئ  محاطاً بمنظومة طبية حديثة ومعقمة، يستعيد شريط ذكرياته يودع اجمل لحظاته، يستذكر ماضيه الجميل، يعيد نفسه الى مرحلة البداية، ليختلط ماضيه بحاضره، يجلس في المحطة الاخيرة في "الجناح الأخير".
       "الجناح الأخير"  عمل من انتاج فرقة "يا سمر"  كتابة وإخراج: أمير نزار زعبي  تم افتتاح العرض الاول في المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي" .
     بحركات راقصة، وصلت الافكار والكلمات الى الجمهور، من خلال ايقاع الجسد، بنيت غرفة الطوارئ امام المشاهد، بكل تفاصيلها، منذ اللحظة الاولى عندما تاتي الذاكرة الاولى الى هذا الرجل الهارب من الموت الصامت، بهدوء تسلسلت الاحداث والذكريات، الاحباب والاقارب، الاطباء وطاقم العمل في المستشفى، الكل يإتي ويذهب، وهو جالس ينتظر نهاية اللعبة، يرفض ان يقبلها كما هي، يخرج من صمته يتحدث ويتكلم، يفسر الحياة كما لو انها كانت مجرد لحظة، ثم ما اسرع نهاية هذه اللعبة ووصوله الى المحطة الاخيرة ، يستطيع ان يخرج من غرفة الطوارئ ولكن لن يخرج المرض من جسده اذا فعل، وصل محطته في جسده حيث استولى على الجناح الاخير، وبدأ الصمت يعم المكان، وزاد الهم في جسد المريض، تسلل الموت على المسرح بصمت المكان، ومرونه الحركة، بدأ الانسان يعود الى اصله، الى ارضه حيث ترابه الذي سيحفر بيديه قبره، المرض يستبسل في جسد الانسان فالخوف من الموت يجعلنا نقاوم، ومع مرض هذا الشخص، يمرض الحبيب، وينتظر الطبيب لحظة النهاية، حيث لا جدوى من المقاومة ، كأن المرض يصيب كل العائلة، لتنشل حركة الجسد ويبدأ العقل والقلب في استرجاع الذاكرة في العودة الى الطفولة حيث كنا بلا ذاكرة، سذاجة الحياة، وخفتها في البداية، لتشتد وتقسى علينا في النهاية .
   هو الانتظار هكذا كان عرض "الجناح الأخير" ، الوقت والصمت والموت، كلها تتسلل مع لحظة النهاية يمر الوقت بسرعة وفي نفس الوقت يكون شديد البطيء على الاقارب، الصمت وقت الرحيل تبدأ لغة الجسد في رسم المكان، البقعة البيضاء رسمت تاريخ هذا المريض، ليتحول سريره في المستشفى الى قبر، وغرفة الطوارئ هي المقبرة، يخرج الموت من تحت سرير المستشفى مستبسلاً، لحظات النهاية، يتحدث فيها المريض مع الموت يطلب منه الرحيل، هذا الشخص لا يريد الموت، بحركات هادئة يبعده عنه، يطلب منه الرحيل، بكلمات جميلة بصوت هادئ بحب، ولكن الموت يسيطر في النهاية على غرفة الطوارئ ويجلس في قلب المريض يبادله الغرام، ليذهب معه في النهاية بسلام .
  كان الموت من وقف على المسرح لنا في النهاية،  بطريقته السريالية، ليشعر الجمهور برائحة القبور، ويعود في ذاكرته الخاصة حيث كان الوداع في غرفة من غرف الطوارئ ، ليمسح الجمهور  دموع ذكرياته ويقف منبهراً من الصفعة التي شعر بها عل جسده، تزفيق حار، افكار كثيرة، ذكريات، دموع، ولكن تنتهي بمجرد الخروج من المسرح لتعود الابتسامات والمجاملات ولكن بصعوبة اكثر من البداية، خرج الجمهور متكلا بذكرياته، بعضهم لم يتقبل طرح هذه الفكرة ، فكرة الغوص في الذكريات في الماضي هذا ما بني عليه عرض الجناح الاخير حيث شارك المخرج "نزار الزعبي" قصة النهاية الحفرة القبر المرض مع الجمهور، لامس الوتر الحساس في قلوبنا وهذا نوع المسرح الذي نشتاق الان لنحكيه، لم يكن النص في الكلام بل كان في حركة الجسد التي رسمها الراقصون وابدع في التعبير عنها بالكلام الممثل "خليفة ناطور" في دور المريض  .

عرض "الجناح الاخير "كتابة وإخراج: أمير نزار زعبي | تصميم الرّقص/ موسيقى: سمر حدّاد كينغ
طاقم‭: ‬خليفة‭ ‬ناطور،‭ ‬يوكاري‭ ‬اوساكا،‭ ‬أيمن‭ ‬صفية،‭ ‬يوسف صبيح،‭ ‬سماء‭ ‬واكيم،‭ ‬محمد‭ ‬سماحنة،‭ ‬زوي‭ ‬رابينوفيتش | ‭ ‬تصميم‭ ‬اضاءة‭: ‬معاذ‭ ‬الجعبة.