"الابتزاز".. قهر حتى الموت

رام الله- وفا- أسيل الأخرس- "أهالي قريتي شباب صور باهر كونوا عونا لأهلي ولأطفالي، واتقوا الله بي وببنات المسلمين واثقة بأن حقي لن يذهب هباء منثورا". سطور وصية خطتها نهى عميرة (31 عاما) قبل انتحارها، وقطع شرايينها، لوقف معاناتها ومعاناة والديها وأشقائها، كتبتها بقوة منتفضة على الضعف، رافضة استمرار الهوان والذل، ضحية نفضت العار عن نفسها في مجتمع لا يراها سوى في موقع اللوم.

الشرطة: 37% من شكاوى هذا العام من إناث تعرضن للابتزاز

قال الناطق الإعلامي باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات، إن الشكاوى الخاصة بالابتزاز والتشهير تندرج تحت ما يعرف "بالجريمة الالكترونية"، ومنذ مطلع العام 2018 قدمت 1300 شكوى، 37% منها تختص بشكاوى من اناث تعرضن للابتزاز، الا ان هناك عددا منها يتم سحبها؛ لأسباب مختلفة.

وأضاف ان الشكاوى يجب ان تقدم من المتضررين بشكل شخصي، والشرطة تقدم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، بالتعاون مع وزارتي الصحة، والتنمية الاجتماعية.

وتابع، نتلقى الشكوى من المتضررين، ويتطلب وجود اثبات للتعرض للابتزاز، ونقوم بالتحري، ومخاطبة الجهات الرسمية، ويتم اتخاذ إجراءات في فترات متباينة، وذلك حسب حيثيات وتفاصيل القضية.

واوضح ارزيقات أن لدى المباحث وحدة الجريمة الالكترونية تتواصل بشكل دائم مع وحدة الجريمة الالكترونية في النيابة، موضحا أن الشرطة والمباحث تتعاملان بشكل خاص مع الجرائم الالكترونية، حيث لم يتم تسريب أي معلومة، ويتم التعامل بسرية كاملة، ولا يتم تبليغ أولياء أمور الاناث الا اذا كانوا متفهمين للقضية وطبيعة الشكوى، ولا يتم تبليغهم في حال تبين عكس ذلك.

ودعا ارزيقات الى ضرورة إيجاد حوار دافئ داخل الاسرة، يمكن الابن او الابنة في الاسرة من ابلاغ ذويهم؛ لأهمية ذلك في حمايتهم من الاستغلال، ووقف أي محاولة لابتزازهم.

الجعبري: قضايا الاسقاط والابتزاز هذه السنة أكثر من سابقاتها

فيما يرى عضو السلم الأهلي وعضو المجلس الاستشاري في محافظة الخليل نافذ الجعبري، ان قضايا الاسقاط والابتزاز هذا العام أكثر من السنوات السابقة، وهناك بشكل يومي عمليات إسقاط وابتزاز.

 وأضاف، ان عملية الابتزاز والجرائم الالكترونية هي أخطر قضية اجتماعية تمر على شعبنا الفلسطيني، وهي دخيلة على مجتمعنا، وآفة يستغلها العدو ضد أبناء شعبنا.

وتابع، ان القضاء العشائري يتعامل مع كل قضية بمعيار يرتبط بتفاصيلها، ففي حال كانت الفتاة ضحية كاملة، نحميها ونقوم بالعمل على تنفيذ كافة حقوقها، ويكون الردع العشائري قاسيا ضد مرتكب الجريمة، كما نطلب من القضاء إنزال احكام عالية عليه.

وأشار الى ان رجال الإصلاح العشائري يتعاونون مع القضاء الذي يعتمد على رجال الإصلاح في الكثير من القضايا المجتمعية، مشيرا الى ان رجال الإصلاح يقدمون التوصيات حول القضية، بيد أن القضاء العشائري يتعامل بطريقة مغايرة في حال كانت الفتاة مشتركة بالجريمة، ويكون على أهلها التعامل معها بشكل كامل.

وعن الإجراءات العشائرية بحق الجاني، فهي بإرغامه بدفع آلاف الدنانير لردعه وردع غيره، كما وتُطلب عطوة من أهل الضحية، ويتم دفع مبلغ مالي مقابل عدة أشهر، او أيام، كما يُجبر الجاني وعائلته على مغادرة البلد، وإبعادهم عن مكان سكناهم، لافتا الى ان معظم عائلات المرتكبين يتعاطفون مع الضحية.

وأكد الجعبري رفضه القتل للفتيات بشكل مطلق، خاصة ان غالبيتهن يتم خداعهن، وعلى المجتمع أن يميز بين الضحية، والمشتركة في العمل، وضرورة الوعي بأخطار التكنولوجيا، والتوعية البيتية للبنات والأولاد، وضعفها يؤدي الى الاسقاط.

وطالب القضاء بإقرار عقوبات تتمثل بالسجن المشدد للجاني، كما ناشد أولياء الأمور بالتركيز مع أبنائهم، والوقوف الى جانبهم، لمنع أي محاولة استغلال او اسقاط.

نيابة الجرائم الالكترونية: النساء هن الأكثر تضررا من الابتزاز

وفي مقابلة مع رئيسة نيابة الجرائم الالكترونية نسرين رشماوي، قالت، ان جريمة الابتزاز محرمة بالقانون الفلسطيني رقم 10 لسنة 2018 المنشور في الوقائع الفلسطينية عدد 16 بتاريخ 3-5-2018، والمتعلق بالجرائم الالكترونية من مختلف جوانبها، أي اذا تم ارتكاب الجريمة من خلال اداة الكترونية، او اكتشافها من خلالها، المجرمة بموجب نص المادة 22 والعقوبة، تتراوح ما بين 1000 دينار، ولا تزيد عن 3000 دينار، والحبس لمدة لا تقل عن سنة وتتشدد العقوبة على الجاني في حال تسبب في ضرر بالغ.

وعن حادثة الابتزاز التي اودت بحياة السيدة في صور باهر، أوضحت، "انها تدلل على مدى خطورة التكنولوجيا، وكيف باتت وسيلة تستغل لتصفية الحسابات"، مشيرة إلى أن الابتزاز في تزايد، وهو ليس حصرا على النساء، بل هن الاكثر تضررا منه، وخطورة الجرائم الالكترونية تكمن في مدى تأثيرها على الصعيدين الاجتماعي والوطني، وأسلوب الجريمة في فلسطين تطور من الاسلوب التقليدي الى الاسلوب التقني، او التكنولوجي.

وعن آلية عمل نيابة الجرائم الالكترونية في هذا الشأن، قالت، ان الشكوى المقدمة بشكل شخصي من ضحية الابتزاز او ذويها ضد متهم معروف بالنسبة لها تقوم النيابة بالتيقن من الادلة على الابتزاز، اما في حال نشر صور او فيديوهات دون معرفة الفاعل تعمل النيابة على الوقوف لمعرفة الفاعل، واحضاره واستجوابه واتخاذ الاجراءات التحقيقية بحقه واحالته الى المحكمة المختصة برفقة الدليل الذي يربط التهمة بالمتهم، مؤكدة أن كل قضية تختلف فيما بينها حسب ظروفها، وملابساتها.

وتابعت: بموجب محضر تحري واستدلال من قبل مأموري الضبط القضائي، ومن خلال واجبهم اذا تم ارتكاب اي جريمة الكترونية او تم ترصيد لأي جريمة منصوص عليها بالقرار بقانون، فإنه يتم العمل على وقفها بقرار يصدر من النائب العام او قاضي الصلح.

وأشارت الى انه يجب توعية المتعرضين للابتزاز بعدم الصمت؛ وذلك لأنه قد يؤدي لنهايات مؤسفة، وقد يدفع الضحية لارتكاب جرائم اخرى، وذلك لأنها تصبح فاقدة للسيطرة على نفسها، مؤكدة ضرورة أن تتوجه الفتيات اللواتي تعرضن للابتزاز إلى نيابة الجرائم الالكترونية، باعتبار أن المبادئ الأساسية لعمل نيابة حماية الاسرة ونيابة الجرائم الالكترونية هي السرية، والسرعة، والحفاظ على الخصوصية المكفولة في القانون. بالإضافة الى توعية اهل الضحية والمجتمع بأنه ليس كل ما ينشر من فيديوهات وصور يكون صحيحا، وذلك لوجود تقنيات عالية تستخدم في تركيب الصور والفيديوهات.

واكدت ان قانون الجرائم الالكترونية يكفل الخصوصية، ويمنع اعطاء او الافصاح عن أي معلومة الا بإذن من النائب العام، او قاضي الصلح، ما يدفع الى المزيد من الثقة فيه، كما يمنع حتى مزودي الخدمة والشركات الخاصة بالاتصالات من الافصاح عن أي معلومة الى بأمر قضائي وفقا للقانون والاصول.

 ودعت الى ضرورة تكثيف الجهود لرفع الوعي فيما يتعلق بالابتزاز على جميع الاصعدة، وآلية تعامل ضحايا الابتزاز معه، كما توعية الدوائر الصغيرة المحيطة بالضحايا، وتوعية المجتمع كافة حول اخطار الابتزاز وضرورة ردعه.

وعن اهمية اقرار قانون الجرائم الالكترونية قالت، ان الاحصائيات الموجودة لدى النيابة العامة المنظمة من دائرة التخطيط والسياسات اشارت الى تزايد الجرائم الالكترونية، ففي العام 2015 كان هناك 16500 احتياج "اجراء الكتروني"، وفي العام 2016 سجل 28 ألف احتياج، اما في العام 2017 فسجل 31 ألف احتياج، وهذا ما دلل على اننا لسنا امام مشكلة الكترونية بل امام ظاهرة ادت الى ادراك مؤسسات الدولة بضرورة سن قانون خاص بالجرائم الالكترونية رقم 10 للعام 2018، وضرورة وجود نيابة متخصصة بالجرائم الالكترونية، وتخصيص اعضاء نيابة وتدريبهم لرفع مستوى الكفاءة لبناء ملف الكتروني. مشيرة الى ان جهاز الشرطة عمل على انشاء وحدة مركزية ومختبر جنائي الكتروني.

واكدت ان القانون المقر رسم طبيعة التعاون والمساعدة مع الدول وتسليم المجرمين المدانين في القضايا المتعلقة بالجرائم الالكترونية المتواجدين خارج البلاد، موضحة أنه تم تسليم مدانين من خلال المساعدة القانونية مع الدول.

الأحوال الشخصية: جزء من الخلافات بين الأزواج سببها الجرائم الالكترونية

رئيس نيابة الأحوال الشخصية في ديوان قاضي القضاة صمود ضميري اشارت إلى "أن نيابة الأحوال الشخصية واثناء التحقيق في قضايا النزاعات الاسرية تكتشف ان جزءا من الخلافات بين الأزواج بسبب الجرائم الالكترونية، وقد تؤدي الى اشكال من العنف وقد تتطور الى جنائية".

وأضافت انه خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة شهدت زيادة في القضايا التي تصل النيابة فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، أو سوء استخدامها، او الشك في سوء استخدامها.

فيما تقول الاخصائية الاجتماعية في جمعية الإغاثة الطبية ماجدة أبو غوش "ان الاسرة والترابط الاسري هو جسر الأمان، وسور الحماية، والردع، لمنع أي استغلال".

وأضافت، ان الابتزاز والانتهاك ليسا جديدين، ولكن وسائل التواصل عملت على زيادة معرفتنا واطلاعنا على القضايا والحوادث، ومواقع التواصل الاجتماعي باتت وسيلة للإسقاط، والاستغلال، وأعطت جرأة في بناء علاقات مع اشخاص غير معلومين، وزادت التمرد على ثقافات محلية.

وأكدت أبو غوش ضرورة أن يتواصل الأهل مع المدرسة، أو الجامعة، أو أصدقاء أبنائهم، وذلك لتكامل العلاقة، ومنع أي تهديد، وعلى وسائل الاعلام توعية الأهل، وتفعيل مشاركتهم في انشطة مشتركة مع أبنائهم، وأن تكون هناك رقابة من قبلهم على استخدامهم، ومراقبة تصرفاتهم، وأن يقدموا نماذج حقيقة للقيم الأخلاقية، ومتابعة وحماية الأبناء في المدارس، لأهمية الملاحظة بشكل مستمر للظواهر لما تحمله من إشارات خطرة.

وشددت على عنصر ثقة المواطنين في القضاء، وعامل الردع الذي يشكله القضاء، في رفض أي محاولة للاستغلال، مؤكدة وجوب أن يقدم القضاء نموذجا للمواطنين حول بعض القضايا التي تشغل الرأي العام، بالإضافة الى ما يشكله القضاء العشائري من عامل ردع الى جانب القانون.

وأشارت الى ضرورة ان يتم طرح القضية في وسائل الاعلام، وتوعيتهم، وتوضيح الصورة وطبيعة القضايا، حتى لو من دون ذكر أسماء، وذلك بهدف تشجيع افراد المجتمع على رفض هذه القصص، وعدم إطلاق احكام مسبقة.

وتابعت: الابتزاز يقوم على الاستغلال المادي، والجنسي، والامني، ما يشكل ذلك هما وطنيا، كما هو اجتماعي، منوهة إلى المعاناة من الاسقاط الامني، بسبب الاستغلال والابتزاز.

 ولفتت إلى أن عملية الاستغلال تتم بسبب عدم وجود الوعي الكافي، مؤكدة ضرورة تقديم عناوين واضحة للمواطنين للتوجه اليها في حال الابتزاز، ووجود أصحاب الثقة حول أي شخص كفيل بمنع استغلاله، مؤكدة أن التربية، والثقافة، والقانون، والالتزام، هي عناصر خلو المجتمعات السوية من الأمراض الاجتماعية.