رحلة تعويذة عبر المأساة الفلسطينية

نابلس - وفا- جميل ضبابات- عندما كانت قذائف العصابات والتشكيلات العسكرية اليهودية تطلق نحو حي المصرارة في القسم الشمالي من القدس في شباط من العام 1948، وبدأت هجرة العائلات الفلسطينية منه محملة بأغراضها الخاصة خوفا عليها من الضياع، كانت تجري عملية نقل مجموعة كبيرة من رموز المعتقدات الغيبية في حياة الفلسطينيين.

في تلك الايام أدرك توفيق كنعان الطبيب الفلسطيني الشهير محليا وعالميا ان عليه نقل بضع مئات من الحجب والتعويذات الى مكان آخر أكثر أمنا.

وكان ذلك المكان هو منظمة دولية في القدس الغربية.

قبل ذلك وبين الحربين العالميتين الاولى والثانية، ذاع صيت رجل في القرى الفلسطينية يتجول على حصان ويحمل حقيبة مليئة بالأدوية ويمكن ان يقبل مقابل علاجه للمرضى تعويذاتهم وحجبهم التي حملوها جيلا بعد جيل معتقدين أن لها تأثيرا سحريا خارقا في حياتهم.

كان ذلك الرجل هو كنعان ذاته، المولود في أيلول من العام 1882 في بيت جالا قرب بيت لحم، والذي تخرج في العام 1905 من الجامعة الامريكية وهو التاريخ الذي حصل فيه على أول تعويذة من فلسطيني مريض.

في بناية حديثة في جامعة بيرزيت قرب رام الله بالضفة الغربية، يقلب زياد الحاج علي بحرص شديد داخل متحف الجامعة مجموعة من تلك الحجب، ويلقي نظرة شديدة التأني عليها، قبل ان تعرض للجمهور الفلسطيني ضمن نظام امني واداري ومعرفي محدث في وقت قريب.

وعبرت التعويذات الفلسطينية طرق القدس وغيرها عبر رحلة طويلة استمرت نحو قرن من الزمن. وستعرض تلك المعتقدات الغيبية للجمهور الفلسطيني مجددا بطريقة مهنية تحفظها ايضا من اي تلف قد يصيبها، كما قال مختصون في المتحف.

عندما انتهت حرب عام 1948 انتهت مرحلة من مراحل رحلة التعويذات والحجب الفلسطينية التي جمعها كنعان من بيوت مرضاه، لكن ذلك لم يكن نهاية المطاف لها، فبعد نحو سبعة عقود انتهت تلك المقتنيات في أحد مكاتب إدارة جامعة بيرزيت قرب رام الله في الضفة الغربية، بعد ان نقلت في عبوات كرتونية لحفظها بشكل نهائي.

استقرت الحجب في ذلك المكان لمدة عقد من الزمن قبل ان تنقل لما يعرف الآن متحف جامعة بيرزيت الذي يضم ما يعرف ايضا بمجموعة توفيق كنعان للحجب والتعويذات والتمائم.

قال الحج علي، وهو يشغل اليوم مدير الانتاج الفني في المتحف "سارت هذه الحجب في طريق طويل حتى وصلت الى هنا". وينظر الى هذه الادوات التي كانت جزءا من المعتقد الغيبي الفلسطيني كواحدة من اندر القطع التي يمكن ان تشاهد بالعين المجردة ولا تلمس الا بحرص شديد.

وفي غرفة محمية بقفل إلكتروني يحمل رقمه السري شخص واحد هو الحاج علي ومراقبه بكاميرات تم الحفظ الأخير لتلك الحجب والتمائم.

قال الشاب وهو يقلب واحدة من تلك الحجب بكفين معزولتين بغطاء مطاطي رقيق مثل الذي يستخدمه الاطباء في العمليات الجراحية "نستطيع ان نقول الآن اننا وصلنا الى مهنية عالية لحفظ هذه القطع".

وعندما فتح احد الادراج ظهرت بعض الحجب الورقية المحفوظة داخل حوافظها الأصلية التي اعتاد الفلسطينيون على حملها تاريخيا.

وقد ينظر الى هذه الحجب على نحو يقارب المأساة الفلسطينية المعاصرة، فهي من المتعلقات الفلسطينية التي انقذت بعد ضياع الجزء الاكبر من فلسطين التاريخية تحت الاحتلال الاسرائيلي.

ويقول الحاج علي وهو يروي اجزاء متفرقة من سيرة هذه الحجب "إن الوقت الذي ستعرض فيه هذه الحجب ضمن المواصفات العالمية لعمل المتاحف اقترب كثيرا". واخبر مراسل "وفا" في وسط الغرفة التي تتمتع بدرجة حرارة ثابتة على مدار الساعة "ان الحجب في حفظ عالي المستوى".

طيلة تلك السنوات التي تنقلت فيها الحجب من مكان الى آخر حتى تبرعت بها عائلة كنعان لجامعة بيرزيت، وضعت تلك المتعلقات في صناديق كرتونية".

قال بهاء الجعبة الذي كان قد تخرج من معهد الآثار في اواسط التسعينيات وتطوع للعمل على إفراغ تلك الحجب بعد ان وصلت المحطة الاخيرة في رحلتها الطويلة "قمنا بإفراغ الصناديق واحدة تلو الأخرى. بدأنا بتصوير المجموعات واعطيناها ارقاما".

"شعرت بمسؤولية كبيرة عندما كنت احملها. هناك رهبة(..) هذا تراث وتعاملنا معه بطريقة علمية، لأن الذي امتلكها في ذلك الوقت جمعها بطريقة علمية". قال الجعبة الذي اصبح لاحقا مسؤولا عن مجموعات الحجب ويعمل الان في المتحف الفلسطيني القريب من جامعة بيرزيت.

وقد جمع كنعان كما روى مقربون منه في مناسبات لاحقة لوصول هذه الحجب الى هذه المحطة تلك الرموز الغيبية من مدينة القدس وقراها ومن مناطق اخرى في فلسطين التاريخية، وكان غالبا ما يقتنيها من المرضى اما بدلا عن كشفية المعاينة او هدايا كانت تصل بعضها الى عيادته في المصرارة من شيوخ القرى الذين اشتروها له او زودوه بها.

بين مرحلة الخوف من فقدان تلك المتعلقات التي جمعها الطبيب كنعان وبين حفظها في خزائن صنعت بمواصفات عالمية تعتمد على مرجعيات المتاحف العالمية، تظهر الحجب والتمائم وكأنها انتهت فعلا من رحلتها وصولا الى محطتها الاخيرة بتدابير أمنية وعملية دقيقة. 

قال الحج علي الذي يشرف على الجرد والتصنيف السنوي للحجب "اخدنا كل الاحتياطات اللازمة لحفظها. مثلا المكان مطلي بنوع محدد من الطلاء المضاد للبكتيريا والتعفن. هناك ايضا نظام اطفاء حرائق يعتمد على الغاز وليس الماء وهناك الجدران الخاصة للمكان برمته".

وعندما فتح الشاب احد ادراج خزائن الحفظ التي وصفها بأنها خالية من الأحماض الأمينية  قال "حتى قمنا بلف هذه الحجب بورق مصنع من خشب اللوز".

وعندما ازاح الورق عن حجاب هو عبارة عن قلادة زرقاء. ظهر الورق هشا خفيفا لكنه لا يشف عن ما تحته من حجب.

وقال" انظر لها إنها جميلة". 

وقد جمع كنعان هذه الرموز على مدار نصف قرن عمل خلالها طبيبا في مناطق مختلفة من فلسطين.

وينظر الى هذه التعويذات ليس فقط كتعبير عن الرموز الغيبية في حياة الفلسطينيين، لكنها أيضا واحدة من المجموعات الفنية الجميلة." نحن نتعامل معها كموروث له خصوصية مميزة. يجب ان تكون لطيفا وحساسا عند لمسها. هناك زيارات متكررة الى هذا المكان. هناك باحثون غربيون ومحليون يدرسونها". قال الحج علي. يردد المعنى ذاته الجعبة" هذا موروث جامع. بعضها يحمل ارقاما وبعضها رموز".

وكلما فتح الحج علي درجا من ادراج الحفظ ظهرت مجموعة من التمائم التي كتب بلغات مختلفة. فكنعان جمعها من مجتمعات متباينة دينيا وثقافيا داخل فلسطين، وبعضها اعتمد على نصوص قصيرة من الكتب المقدسة الثلاثة في فلسطين من وفي وقت سابق وصل الى مكان حفظ هذه التمائم باحثون من كل انحاء العالم لدراسة جزء من الهوية الغيبية الفلسطينية.

لكن صناعة التمائم وكتابتها واكب التطور في العقود الاخيرة، ففي حين نقشت بعض التمائم باليد، تظهر بعض التمائم الحديثة وقد نقشت بالأقلام الكهربائية.

في متحف جامعة بيرزيت تشمل مجموعة كنعان نحو 1400 من التمائم والحجب بعضها حلي والبعض الآخر خرز، ففي بعض الاحيان لا يمكن التفريق بين الحلي وبين الحجب، وفي احيانا كثيرة تنقش الكتابات والطلاسم على الحلي ذاتها. في الادراج الحديثة حفظت بعض الحجب الورقية داخل اوعيتها الخاصة المصنوعة من المعدن او القماش كما وصلت كنعان قبل نحو قرن وسارت في تلك الرحلة الطويلة حتى وصلت الى جامعة بيرزيت ولفت بورق خشب اللوز الهش، لكنها لم تكن جميعها لحفظ الانسان، فهناك بعضها لحفظ الحيوانات بشكل خاص الخيل.