حريق في مكتبة قارئ مُلِم

الخليل- وفا- يامن نوباني- خسر الشاب علي جرادات 800 كتاب من مكتبته البيتية الخاصة، والتي كانت تحوي 1600 كتاب، قبل أن يندلع حريق في غرفته، ملتهما مئات الكتب والذكريات والمواقف الشخصية جدا والعبارات التي وضعت تحتها خطوط، في إشارة لأهميتها وجمالها.

اضافة إلى الكتب الورقية، خسر جرادات في الحريق، هاتفه الذي يحوي أيضا مكتبة الكترونية ضمت 500 كتاب بصيغة pdf.

جرادات المولود سنة 1990 في بلدة سعير في الخليل، ويعمل معلما للغة العربية في مدارسها، قال لـ"وفا": بدأت اقتناء الكتب في سن الثالثة عشرة، حصلت على كتاب رياض الصالحين والمصحف الشريف، بعدها تطورت قراءاتي ومصادري في العلوم والمعرفة والأدب، وجمعت كتبا من مختلف المجالات .

وأضاف: في الجامعة بدأت بشراء الروايات، حيث جمعت منها المئات في شتى أنواع الأدب، من روسي ومصري وجزائري وعراقي وتركي وغيرها، إلى جانب اهتمامي الكبير بكتب الفلسفة والأديان .

وأوضح جرادات في تفاصيل مكتبته: حَوت أمهات الكتب، في مجال التاريخ، والأدب، والتصوف، والفقه، ككتاب البيان والتبيين للجاحظ، والأدب المفرد لابن المبرد، ومعجم لسان العرب لابن المنظور، وشرح ديوان المتنبي للعكبري.

أما في التاريخ فقد حوت: الكامل في التاريخ لابن الأثير، وتاريخ ابن خلدون، والبداية والنهاية لابن كثير، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

وفي التصوف: الفتوحات المكية والفصوص لابن عربي، وديوان ابن عربي وابن الفارض والحلاج، والغنية للجيلاني، والإنسان الكامل للجيلي، وفيه ما فيه للرومي، والمواقف والمخاطبات للنفري وغيرها.

وفي الشعر حوت المكتبة عشرات الكتب، منها الأعمال الكاملة لأدونيس، ولمحمود درويش، والسياب، وبلند الحيدري، ومحمد علي شمس الدين، وأحمد مطر، وسعدي يوسف. أما في الشعر العربي الكلاسيكي، فضمت كتب أبو نواس، وأبو تمام، والمتنبي، وأبو العلاء المعري، والبحتري، وجرير، وبشار بن برد، وغيرهم.

وفي الفلسفة امتلكت كتب: نيتشه، وهيدغر، وانجلز، وميشل فوكو، وكتبا في تاريخ الفلسفة. وفي الروايات، كان لدي كتب لكبار الأدباء والروائيين العرب والعالميين، أمثال دوستويفسكي، وتولستوي، ونجيب محفوظ، وهاروكي موراكامي، واليف شافاق، واسيني الأعرج، وأمين معلوف، وغسان كنفاني، ومحمد سعداوي.

وأضاف: لطالما كنت أتساءل دوما: كيف يعيشُ بشرٌ دونَ قراءة؟ كيف يمكنهم تحملُ كلّ هذا العبثِ واللا جدوى دونَ كتابٍ وموسيقى؟ .

عندما حُرقت مكتبتي وهاتفي (الذي كانَ يحوي قرابة 500 عنوان pdf كانَ همي كيف أجدُ وسيلةً لأقرأ. هذهِ ليست مبالغةً أو ادعاء، أبدا. بل واقعٌ أعيشه يوميا .(

عندما شبَ الحريق وتم إطفاؤه، أول ما خطرَ لي تفحص الفتوحات المكية التي كنتُ وصلتُ فيها المجلد الخامس وسأشرع في السادس .اليوم التالي مباشرةً، بدأتُ اقرأ فيه بعد أن ألصقته -الجيد أن الموسوعة لم تتضرر ضرراً كبيرا-.

وتابع: الذي يريدُ أن يقرأ سيقرأ مهما كانت كارثته ضخمة .

أذكر أن سليم بركات الشاعر السوري الكبير، سألته المذيعة عن أكبر كوارثه، فكانَ رده: خسارةُ بيتهِ في نيقوسيا الذي كانَ يحوي أكثر من 100 شجرة زرعها بيدهِ. والأكبرُ منه مكتبتهُ العامرة في بيروت، الذي خسرها جراءَ الاجتياح الصهيوني لبيروت .كم تذكرتُ كلماتهِ والمكتبة تحترق .

وأضاف: سأبدأ بمحاولةِ بناء مكتبةٍ جديدة، ولكن الكتب ليست قيما مادية، بل أبعاد روحية عميقة جدا، لن يفهم معناها ومكانتها إلا من فقدَ يوما طفلا من أطفالهِ، هذهِ ليست مبالغة، فأنا أعيش حالة تنسك وتعبد مع كتبي، وأشعرُ بها كأرواح وامتداد حقيقي لي، فكأنها جزء أساسي مني، بل هي كذلك فعلا ...اقرأوا لعلكم تجدونُ متعة ما أقول.

جرادات رثى كتبه، قائلا: كانت عيناه تخترق أرواحا تراقص لُعابَ النارِ وهي تنسحق أمامَ جبروتِ الدخانِ المستعر بأحقادِ العدم. يحاولُ جاهدا أن يريقَ ذاكرته أضحية على مذبحِ الهباءِ الورقي دون جدوى.

صرخاتٌ مخروسة تحاولُ أن تركض في جحيمِ اللعنة. صارخا: كتبي... أريد أطفالي الذين أنجبتهم في سكونِ العزلةِ وموتِ الليل. أريد لغتي المكتوبة على أوراقِ الآخرين.

لم يسمعْ صدى صوته إلا والسوادُ قد أنتعل كل مكتبته. كانوا يواسون قيمة مادية تعويضها أسهلُ من كوبِ ماء. وهو كان يبكي روحا انسلت منهُ نحو عدمها الضروري. دوستويفسكي. فراس السواح. نيتشه. محمود درويش. ابن عربي. شعرَ أنهم يصافحونه راحلين مع أوراقهم من بين كثافةِ جدرانٍ كانت تبصره بكل عوراتهِ على امتدادِ 13 سنة كاملة، ينادي كمجنونٍ أرجعوا فأنا أنتم وكلُّ ما حولي غرباء عني سواكم، لم يعبأوا بندائه المبحوح. بذكرياتهِ وأعماقه.

ما الذي أحس به جرادات لحظة اشتعلت النيران في كتبه، يبين: باختصار شديد شعرت أن روحا ممتلئة في وقد انطفأت، وكأن الكتب كانت روحا حقيقة تمدني بأسباب الحياة والوجود وبحرقها ذهبت هذه الروح.

وتابع: علمتني تلك الكتب، اتساع الرؤية نحو الآخر المختلف، تعمق شعور الذات والباطن الروحي، وأن متعة الفكر والبحث والسؤال أعظم متعة في العالم، علمتني الخيال ومتعة الذهاب لأماكن وأزمنة متعددة وأنا في ذات المكان.

الروائي المقدسي محمود شقير، خاطب جرادات قائلا: أشد على يدك بعد هذه الخسارة الفادحة، وأحييك على موقفك النبيل من الكتب.

يُشار إلى أن حوادث حرائق المكتبات طوال التاريخ شكلت كآبة وألما قويا في نفوس أصحابها، وكان آخر تلك الحرائق ما تعرّضت له مكتبة "خزانة الجاحظ" أقدم مكتبات العاصمة الأردنية عمان، في كانون الثاني الفائت، من حريق التهم أكثر من 10 آلاف كتاب، منها كتب تاريخية ونادرة، عمرها يتجاوز الـ200 عام، بالإضافة إلى عدد من الوثائق التاريخية التي تعود إلى العهد العثماني. بعدها بستة أسابيع فقط توفي صاحبها هشام المعايطة في حادث سير.