“درويش او الدخول الى معبد الخراب المقدس"

نداء يونس- لماذا كنت اخاف درويش في حياته، لماذا رفضت حضورأمسياته في رام الله، وكنت أتجنب التقاط صورة فوتوغرافية معه حين صادفته في احدى شوارعها؟ لا أعلم، لم يكن موقفي هذا مفهوما لي ولا يزال، لكنني اذ استحضره في ذكرى رحيله العاشرة، فانني مضطرة الى التنويه بأنني لم أكن صديقة لدرويش: لم أعرفه شخصيا، لم أشرب القهوة في بيته، ولم أجلس اليه في مقهى نأكل السلمون الذي كان يحب مع بعض المشروب الفاخر ولم أحضر طلاقه لزوجته الثانية في مقهى صغير في باريس، أمام حضور عشوائي مرتجل، لا يشبه نصه الشعري او النثري.
يدرك درويش ان البناء لعبة تركيب للفوضى وأن الموهبة تعني توظيف أدوات من زمن لم يأت وهو الذي يقول" فالقصيدة/ زوجة الغد وابنة الماضي، تخيم في/ مكان غامض بين الكتابة والكلام"; فأي بناء دون تفكيك واي خلق دون تجريب واي استحضار للتمثلاث المعرفية والجمالية دون استدعاء لزمن قادم يمكن أن نسميه الشعر الذي يعني بمدلولاته الرؤية والاستشراف والدهشة! ان ادراك هذه اللعبة لشعر يحمل مراياه بيديه ويرى الماوراء وهو مغمض العينين ويتحرك في المنطقة الخطرة يجعل فكرة الاقتراب من نار الاوليمب التي ليست ابدا "نارا باردة" كما يقول الشاعر العراقي شوقي عبد الامير في مقام آخر "يلهو بها الانبياء" مربكة وربما تفسر تلك المسافة التي احتفظت بها مع الشاعر. ان دخول معبد للخراب المقدس ليس أمرا سهلا.
النص الشعر– نثري
يرتكز النص الدرويشي على ثنائيات متضادة تخلق حالة جدَّةٍ معرفية قائمة على المزاوجة احيانا كثيرة بين النقائض وبعيدا عن الرتابة الشعرية والمتوقع، بل ان درويش يميل أحيانا الى المزاوجة بين الشعر والنثر مرتكزا على – وليس هذا فقط- ما يمكن ان نسميه احيانا بحوار القرين " أين كنت اذا؟ قال لي: كنت...." ويقوم بذلك من مسافة شاهقة بين الوعي والعبث والمعرفة والعاطفة وابتكار الصورة المجازية المذهلة في السياق النصي النثري الاقرب الى العادي البسيط وبين كونية القصيدة وتفاصيلها التي تبدو كالسير في نفق اللاتوقعات والتفاصيل مضيئة، ما يجعل للقصيدة سلوكا واضحا ومربكا في آن وحيث يقول لهذه المزاوجات الاسلوبية النثرية والشعرية "طيرا معا/ كجناحي سنونوة تحملان الربيع المبارك" و"بلا قمر للبلاغة". 
أدوات للخراب
البناء اسهل من الخراب، لهذا يتعثر الذي يحول النص الدرويشي بالسيولة الشفاهية وفيزيائية النص وحرارته وتلقائية العارفة وانزياحاته المفاجئة في الغة كما في– وعلى سبيل التمثيل فقط- شطرته الشعرية التي يقول فيها "القريبة من حدود الله" وحيث يتنفس النص بين الفيزيائي العادي الدلالي لكلمة حدود مثلا وبين الروحاني المفاجئ اللامكاني في كلمة الله والتي تؤدي بالقارئ الى الاستقرار لكن في اللامتوقع، او وفي انزياحات القافية داخل النص الشعري والتي تكسر غنائية النص من داخله بازاحتها الى منتصف الشطرة الشعرية او من تحريك/ تسكين الحروف الاخيرة للقافية المكررة لخلق تواصل يكسر الاستمرارية التقليدية للقافية آخر الشطرة الشعرية او تحقيق تهدئة غنائية كما في "أما ظلّك، فلم يتبعك ولم/ يخدعك، فقد تسمّر هناك وتحجَّر، ثمّ اخضرّ كنَبتة/ سُمسم خضراء في النهار، زرقاء في الليل. ثمّ نما وسما/ كصفصافة في النهار خضراء، وفي الليل زرقاءُ" أو كما في "الطريقُ طويلٌ إلى أين؟ مرتفعاتٌ/ ومنخفضاتٌ. نهارٌ وليلٌ على الجانبين/ شتاء قصير وصيف طويل. نخيلٌ/ وسروٌ، وعبّاد شمسٍ على الجانبين".  
شاعرا أم ناقدا
كان درويش صرح في حوار معه أنه لم يعرف ان يكتب قصيدة نثرية"، لكنه بالاضافة الى نصوصه من 1995 وحتى 2005، مثل الجدارية وكزهر للوز او ابعد او لماذا تركت الحصان وحيدا او لا تعتذر عما فعلت، وكما في أثر الفراشة الذي يطلق عليه "يوميات" وفيه 126 نصا منها 46 نصا موزونا، لم يدمج درويش الموزون منها والغير موزون في نص واحد كما فعل في حضرة الغياب الذي اسماه "نصا"، وحيث لا يميز القارئ اين ينتهي الشعر واين يبدأ النثر، قام درويش في انتاجه الشعر-نثري بالجمع بين الوزن والسمات الاسلوبية لكتابة النثر من خلال أداتين: الايقاع الداخلي الذي يخلقة تجانس المفردات وتكرار الحروف، والايقاع الخارجي الذي يتحقق من خلال الوزن والقافية مستلهما التجربة الفرنسية. ربما كان الشاعر يخشى تخريب الشعر من ممتهني كتابة الاسطر وتوزيعها وتسميتها بقصيدة النثر، الا ان ما قدمه من قصائد نثر ممتزجة او منفصلة عن قصائد التفعيلة التي كتبها، تؤكد أن درويش كان يمارس الخراب الخالق او الواعي بانتقاله من النثر الى الوزن بينما كان يمارس نقدا للاستسهال ويحذر  منه سواء من خلال استخدامه المقصود للعناوين الموازية لدواوينه  أو محاولة التهرب من الاعتراف من معرفته بكتابة قصيدة النثر في أكثر من لقاء صحفي.