أركان.. ضحكة الدهيشة التي أطفأتها رصاصة

بيت لحم -  وفا-  يامن نوباني-  "بحبك يابا، والله بحبك"، "وأنا بحبك يا ابني" آخر محادثة على "الواتساب" بين أركان الطفل وثائر الوالد، تنتهي بضحكات متبادلة، ليلة الأحد 22 تموز الجاري، قبل أن تنقلب حياة العائلة بعدها بساعات.
فجر الإثنين، اليوم التالي، أعدم جنود الاحتلال الطفل أركان مزهر (15 عاما) برصاصة في الصدر، الرصاصة خطفت ضحكة أركان، التي أشتهر بها، وتعرفها العائلة ومخيم الدهيشة بأكمله.
عُرف عنه حبه للدراجات النارية، وركوب الخيل.
ثائر مزهر، والد أركان، قال لـ"وفا": كانت علاقتي بأركان مميزة، فهو طفلي الأول بعد البنت الأولى، ربيته وعلمته وثقفته، لا يمر عن شخص فوق سن الـ20، إلا ويناديه بـ "عمي".
وأضاف: تحدث معي على "الواتساب" قبل استشهاده بساعات، كنت في العمل في بئر السبع، جاءني الخبر، صدمت وحمدت الله، كان وجهه يبتسم لكل الناس، كان خدوما، في بيت العزاء حدثني الناس عن كم الطيبة وحب المساعدة عند أركان. منهم أستاذ حدثني عن ذهاب أركان ليرفع معه تنك مياه على سطح البيت.
وعن تفاصيله، قال مزهر: حين كان يدخل البيت يصنع فيه أجواء جميلة، كان لطلّته رونق خاص محبب لدينا جميعا، وبالأخص جدته، كان ينام عندها ويخدمها، بكته كثيرا، لم تستوعب رحيله.
وعن دراسته وعمله وحلمه، بيّن مزهر: أركان طفل، رغم ذلك يتعامل بطريقة شاب في الثلاثين من عمره، ويشعر بالمسؤولية تجاه نفسه والبيت والآخرين، طلب مني أن يتعلم التنجيد، وتعلمه لدى صديق من سكان الخليل لديه معمل في بيت لحم، بعد مدة قليلة أخبرني صاحب المعمل: أولادي منذ ثلاث سنوات ونصف يتعلمون لدي التنجيد، لكنهم لم يتقونه كما اتقنه ابنك أركان في الأربعة أشهر التي أمضاها عندي".
وأضاف: بعد تعلمه التنجيد فتحت له محلاً صغيراً، وبدأ بتخييط أثواب الصالونات. وقبل شهر ونصف اقترح أن يذهب لتعلم صنعة كمبيوتر سيارات، أو كهرباء، وأن يكمل دراسته ويدخل جامعة البوليتكنيك ليدرس الهندسة، وقال يومها: إن كانت ظروفك تسمح ابعثني للدراسة في ألمانيا.
قبل استشهاده، كتب أركان لابن عمه وصديقه المقرب، الفتى حسن مزهر (17 عاما)، الذي أصيب في منتصف شهر يناير/كانون ثاني من العام الحالي، برصاصة استقرت في العمود الفقري، أفقدته المشي، وأركضته شهورا في المستشفيات، وبدلت من معالم شكله الخارجي، اضافة إلى قتل طموحاته المستقبلية ونفسيته: كتب أركان: "إنك يا حسن تسير على درب النضال وتحاول أن تطرد الصهاينة من مخيمك الجريح.."
كان أركان يخفف عن حسن إصابته وشلله، اليوم من يخفف عن حسن استشهاد أركان؟
وفي آب 2017، كتب أركان لابن مخيمه، الأسير والجريح والشهيد لاحقا، الشاب رائد الصالحي (22 عاما): "الوطن عطش ورائد الصالحي سقى".
أصدقاء أركان كتبوا على صوره بعد استشهاده، عبارات ثورية تقليدية، منها: "لنزرعهم شهداءنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف.. فدائماً يوجد في الأرض متسع لشهيد آخر".
"كأن الحجارة التي بيدي أطفال المخيم قذيفة ِليُرد عليها بتلك الزخات من الرصاص .. اذهب وعانق شهداءنا يا صديقي.. فهذه الأرض لم يعد فيها مُتَّسع للحياة.. لروحك السلام والمجد والخلود للشهداء".
"ويا ضحكة قتلتها رصاصة".
أركان مزهر، لم يتم بعد سن الـ15، بينما ستصلها توأمته، في ‏20 آب المقبل، حيث ولدا عام 2003‏، ويتبقى للعائلة اليوم طفل آخر هو غسان، عامين ونصف، وثلاث طفلات.
لم ينتظر الذين قالوا له: بدري يا رفيق العمر. وذهب.. لم يؤخر صدره للذين قالوا له: يا ريت رصاص الغدر خلاك وصاب صدري. لم يودع الذين طالبوه بالوداع: مع السلامة يا مسك فايح...
كانت آخر كلماته على "الفيسبوك": لن نكون إلا شوكة في حلق الاحتلال، ووراء الاحتلال في كل مكان.. من الطبيعي أن نسقط على الأرض شهداء، فالقنابل بسقوطها تنفجر.