هنا قرر اتاتورك خلع الطربوش وألبس تركيا القبعة!

*منطقة كاستامونو...تركيا تستكشف فرصة سياحية جديدة بعد عامين على افشال محاولة الانقلاب

إسطنبول-كاستامونو- الحياة الجديدة-ايهم ابوغوش- مليونا تركي يتجمهرون بالقرب من جسر البسفور في إسطنبول في الخامس عشر في تموز الماضي احياء لذكرى ما تقول انقرة إنه افشال لمحاولة انقلابية كان يقودها المعارض فتح الله جولن، بعد ان تصدى الشعب التركي بأجساده العارية مدافعا عن ديمقراطيته أمام فوهات الدبابات. كانت صيحات الجمهور ترتفع رويدا رويدا يهتفون "نحن هنا" حينما بدأ مدير المهرجان بتسمية 131 شخصا سقطوا ضحايا خلال تلك المحاولة، في إشارة إلى استعدادهم للدفاع مرة أخرى بدمائهم لحماية إرادتهم الشعبية. يصعد الرئيس التركي طيب رجب أردوغان إلى المنصة وسط هتافات تتعالى ليلقي كلمة بهذه الذكرى التي حولتها الحكومة التركية إلى مناسبة وطنية يحتفل بها الشعب، مؤكدا أن خيار الشعب التركي انتصر على من وصفهم بـ"الخونة"، وان الشعب التركي ماض في الدفاع عن ديمقراطيته وتجربته التنموية ولن ينقاد إلى رغبة تريد إعادة تركيا إلى سنوات من الانقلابات العسكرية. لماذا ترتفع فقط الاعلام التركية في تلك التظاهرة؟ سؤال يجيب عليه مترجم خاص رافق وفد إعلامي ضم 100 صحفي شارك في تغطية المناسبة بدعوة من وزارة الإعلام والمطبوعات التركية؟ الإجابة تلخصت بكلمات بسيطة" إنها مناسبة وطنية والكل يتوحد تحت راية تركيا، هي ليست مناسبة حزبية واسقاط الانقلاب يمثل رغبة شعبية في الدفاع عن الخيار الديمقراطي".

 

ثمة أشياء تغيرت منذ قرابة عامين، الإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت الاحتفال ومن بينها انتشار طائرات مروحية تراقب المكان، وقناصة يعتلون البنايات العالية، وانتخابات جديدة جددت الثقة للرئيس طيب رجب اردوغان بصلاحيات واسعة. لكن الأهم ان الشعب مازال ينزل للشارع وسط تباينات في التوجهات بين الأحزاب حول مستقبل تركيا، لكنهم يجمعون على أمر واحد وهو "حماية الديمقراطية والخيار الشعبي".
هذه فرصة للصحفيين لاستكشاف الجذور وربما ملامسة توجهات تركيا الحديثة، فلا مناص من زيارة أماكن سياحية وأثرية في إسطنبول تحكي في كل زاوية فيها عن تاريخ العثمانيين، فهنا مسجد السلطان أحمد الذي بني في القرن السابع عشر ومهندسه محمد آغا أشهر المعماريين الأتراك بعد سنان باشا وداود أغا. يمثل هذا البناء تحفة عمرانية تضم خمسة قباب وست مآذن، لكنه اغلق في وجه السياح بهدف إجراء ترميمات داخله. على بعد أمتار يقع مسجد آيا صوفيا وهو عبارة عن كنيسة بيزنطنية حولها محمد الفاتح إلى مسجد قبل أن تتحول في عام 1935 إلى متحف ديني، على مدخل المسجد لوحة مكتوبة بماء الذهب حديث للرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه" لتفتحن القسطنطينية، فنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".
يواصل الوفد الصحفي جولته في الباب العالي او ما يعرف بالتركية (كوب كابي سراي) والذي كان مركز الحكم العثماني حتى عام 1853، والذي استخدم كمركز إداري للدولة العثمانية على مدار أربعة قرون . بني القصر على قلعة بيزنطية فى (سراى بورنى) اعلى ربوة في إسطنبول الاثرية والتي تقع بين بحر مرمرة وبوغاز اسطنبول والخليج على البسفور . يضم المكان اليوم عدة مقتنيات من أثر السلاطين وما يقول الأتراك بأنه الأمانات المقدسة والتي استجمعت من عدة دول من بينها آثار للرسول الأعظم ومعجزات لعدة أنبياء.
لم تكن هذه الجولة سوى فاتحة لتغطية أحداث الذكرى الثانية لما تقول الحكومة التركية بأنها افشال محاولة الانقلاب، ليسافر الوفد الصحفي بعدها إلى مقاطعة  كاستامونو شمال شرق تركيا في اقليم الاناضول والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة التركية لعام 2018.
 هنا مطار المقاطعة صغير جدا، يحتوي على بوابة واحدة، وقاعة واحدة، ولا يقارن بالمرة مع مطارات المدن التركية الأخرى، ويبدو ان الحكومة التركية استثمرت من اختيار المقاطعة عاصمة للثقافة لهذا العام من اجل تسليط الضوء عليها بهدف فتح بوابة سياحية جديدة تضاف إلى سلسلة المدن السياحية المشهورة  والتي يرتادها السياح من مختلف العالم.

 


الحياة هنا مختلفة تماما عن ضجيج إسطنبول، فالطبيعة تتحدث عن نفسها، إذ تشكل الغابات  24% من مساحة تركيا الكلية  أما في كوستامونو فإن 74% من مساحة المقاطعة التي تقدر بنحو 13 ألف كيلو متر مربع عبارة عن غابات مكونة من أشجار الصنوبر والسرو، وتنتشر المساحات الخضراء المزروعة بالذرة وأشجار التفاح والبرقوق والخضراوات والفواكه على نطاق واسع، بالإضافة إلى مزارع الأبقار والتي تنتشر في كل مدن وبلدان المقاطعة والتي يزيد عددها عن 5 آلاف مزرعة تضم عشرات الآلاف من رؤوس الأبقار.


في كوستامونو مساحات شاسعة وقليل من السكان اذ لا يزيد عدد سكان المقاطعة عن 300 الف نسمة يتوزعون بين عدة مدن، منها كوستانومو عاصمة المقاطعة، وانبولي الواقعة على ساحل البحر الأسود، وتوسيا، وفرنبخشة، وبلدة داداي، وكلها زارها الوفد الصحفي، بالإضافة إلى مدن وبلدان أخرى. لا تستحوذ المنطقة على نصيب كبير من السياحة الخارجية بينما تعدّ واجهة معقولة للسياحة المحلية، إذ يصل عدد السياح الأجانب للمقاطعة نحو 30 ألف سائح سنويا فقط بينما يصل عدد السياح المحليين إلى نحو 400 ألف سائح سنويا، ولهذا تعمل الحكومة التركية إلى تحويلها إلى واجهة سياحية مستغلة اختيار المقاطعة عاصمة للثقافة التركية هذا العام.
اختيرت كوستانامو عاصمة للثقافة التركية لعدة أسباب منها أنها تعدّ موطنا للعديد من الأدباء الأتراك، كما تحتوي المقاطعة على العديد من الآثار وقلعة شهيرة، وكذلك مكانا لإعداد الملابس التقليدية، بالإضافة إلى شهرة المنطقة بإعداد 800 نوع من وجبات الطعام المختلفة.
تحتوي المقاطعة على مسجد القصبة (جامع السيد محمود) والذي بني في عهد الأمير محمود باي في سنة 1366 ومازال المسجد صامدا في وجه الطبيعة القاسية رغم ان سقفه مبني من الخشب دون ان يستخدم فيه مسمار واحد، وقد ضمته منظمة اليونسكو العالمية مؤخرا ضمن أحد أهم أماكن التراث العالمي.
في مدينة توسيا نحو 40 ألف نسمة  يعملون في مجالي الصناعة والزراعة، إذ تحتوي المدينة على 8 مصانع لحجر البناء، بالإضافة إلى مصانع الأبواب الخشية والتي تصنع يوميا قرابة40 ألف باب خشبي تلبي احتياجات السوق التركية بينما يصدر نحو 40% منها للخارج.
يذكر أن  30% من مصانع الأبواب الخشية في تركيا توجد في هذه المدينة، كما تحتوي المدينة على مصانع مختصة في صناعة الملابس الداخلية والتي تنتج نحو 80% من انتاج تركيا من هذه السلعة، كما تشهر المدينة بزراعة الفواكه والخضراوات، واللافت للانتباه ان هذه المدينة تخلو تماما من البطالة بل تحتاج لأيد عاملة من خارجها.
في توسيا منطقة أخرى تشتهر بسلسة ارتفاعات جبلية تسمى "تور اغلو" والتي ترتفع عن سطح البحر بنحو 1650 مترا وتعني بالعربية "الابن الأعمى"، إذ تضم بحيرة وسط غابات كثيفة تسمى "ات اولسو" أي وادي الخيول وتقع بالقرب من بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 2500 الف نسمة، لتشكل قطعة من الطبيعة غاية في الجمال، لكنها تخلو من إمكانيات مادية كبيرة  ولا تصلها الكهرباء ، ورغم أن هذه المنطقة بإمكانها أن تتحول إلى واجهة سياحية مهمة لكن حكومة الإقليم ما زالت تصطدم بقانون تركي يمنع إقامة أي مرافق سياحية في مناطق الغابات. 
لا تختلف منطقة فنربخشة عن هذه الطبيعة، إذ تقع على سلسلة جبال يزيد ارتفاعها عن 2400 متر تكسوها الغابات وهي تعد من أهم مراكز السياحة الطبيعية في تركيا، إذ تحتوي المنطقة على نحو 80  مغارة طبيعية ووديان سحيقة  تتخللها شلالات طبيعية تحفر في الصخر لتشكل منظرا طبيعيا خلابا وسط غابات كثيفة، وتستمر الأمطار بالسقوط فيها حتى خلال فصل الصيف بينما تكسوها الثلوج الكثيفة خلال فصل الشتاء.
في مدينة انبولي ثمة اختلاف كونها تقع على شاطئ البحر الأسود، وهي مدينة هادئة صغيرة تضم عددا من الآثار، وفي مركز بلديتها توثيق لحدث تاريخي ومجسم لمصطفى كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، الذي زارها إبان ما يطلقون عليه "حرب الاستقلال" واستمر نقاش بين عدد من مؤسسي تركيا ثلاثة أيام ليقرروا بعدها المضي في "أتركة" الدولة من خلال فرض خلع العباءة كلباس رسمي واستبدالها بالقبعة الغربية، وهو ما مثل فارقة تاريخية في بناء تركيا الحديثة وسلخها عن امتدادها العثماني.
في عموم مقاطعة كوستامونو الواقعة في إقليم الأناضول ثمة حياة محافظة تظهر للعيان، فتجد كثيرا من السكان يلتحقون للصلاة بالمساجد في اوقاتها، كما أن النساء غالبا ما يرتدين غطاء فوق الرأس، وتخلو المنطقة من أي نواد ليلية ويكتفي سكانها بارتياد المقاهي الشعبية التي يتجمعون فيها لمناقشة امورهم، علاوة على ارتباطهم الكبير بالطبيعة والعادات والتقاليد التي ورثوها عن اجدادهم، بالإضافة إلى طغيان العمارة القديمة وحتى السيارات المستخدمة ليست من الطراز الحديث.


قد لا يعود الأتراك إلى لبس الطربوش التقليدية من جديد، لكنهم يفتخرون بتاريخهم وإرثهم الحضاري ويتجلى ذلك ليس في فحوى الزيارة فحسب، بل يمكن استنتاجه كذلك من تشكيلة الوفد الصحفي الزائر، وجله من بلدان تتحدث التركية أو انها تعد من مناطق نفوذ تركيا إبان الدولة العثمانية ومنها: كازاخستان، وأوزبكستان، وأذربيجان، وكوسوفو، والبوسنة والهرسك، وقرغيستان، وعدة دول عربية.
يتجنب المسؤولون الاتراك كثيرا الإجابة على أسئلة الصحفيين ذات الطابع السياسي، ويركزون في إجاباتهم على تجربة تركيا الديمقراطية والتنموية، ويرفضون أي حديث عن توجهات مستقبلية خاصة مع قرب حلول عام 2023 والذي يتزامن مع انتهاء معاهدة لوزان والتي أرغمت تركيا على التخلي عن عدد من الأقاليم التابعة لها وحملتها كثيرا من الأعباء.