طريق الحرير الجديد.. حلم الصين بعالم مختلف أكثر عدلا

بكين– الحياة الجديدة– تقرير بشار دراغمة ووسام شويكي- المرور في شوارع بكين ورصد نهضتها الكبرى، يُطرح في الأذهان علامات غير منتهية من الاستفهام حول سر تلك النهضة، فالتنمية تحقق قفزات مدهشة، والشغل الشاغل الان للرئيس الصيني هو استكمال مشروعه العالمي المتمثل في مبادرة "الحزام والطريق" أو كما بات يُعرف باسم "طريق الحرير الجديد"، والناس هنا في الصين تتطلع بشغف إلى مستقبل مختلف يسبره قطار "طريق الحرير"، وينظرون بإيجابية إلى مبادرة الرئيس الصيني شين جين بينغ التي أطلقها في العام 2013 وكل الرهان على تنمية مضاعفة للصين والدول المشاركة في تلك المبادرة.

في بكين يكاد حال الصينيين ينطق بلسان واحد، أن الجمهورية تزداد تماسكا وتدعو العالم إلى التماسك والتكتل خلف المبادرة التي بدأت تتحول إلى عمل على أرض الواقع، في الوقت الذي تنمو فيه الشعبوية ودعوات الانفصال في الغرب، وخاصة الاتحاد الأوروبي الذي تتنامى فيه دعوات الانسحاب من الاتحاد والعودة إلى القومية الضيقة، كما فعلت بريطانيا مؤخرا، وكأن الصين تريد إيصال رسالتها للعالم أنه في الوقت الذي تخبو فيه دعوات الوحدة الغربية، فإن بكين تقود العالم إلى شكل آخر من الوحدة وإن كان يحمل عنوانا اقتصاديا في ظاهره، فإنه لا يستثني السياسة والأمن والثقافة من المبادرة بل تعتبر الأمن والسياسة الأساس لتنفيذ هذه المبادرة والوصول إلى واقع اقتصادي مختلف.

عندما يتحدث المختصون في الصين عن مبادرة الحزام والطريق، يركزون كثيرا على ضرورة التعاون الأمني والسياسي وتحقيق السلام على طول دول الطريق وضمان الهدوء والاستقرار كون ذلك يشكل الأساس الأول لتطبيق المبادرة وتحقيق الأهداف المرجوة منها.

الاستاذة في جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية في بكين، هوانغ هوي، هي أيضا تتحدث بذات النهج، وتجزم أن مبادرة الحزام والطريق ترحب بالقارات الخمس ولا تستنى أحدا، وهي غير محصور بالدول التي يمر بها طريق الحرير بخطيه البحري والبري وإنما يمكن لدول أميركا اللاتينية على سبيل المثال المشاركة في المبادرة.

ويسود الاعتقاد هنا في الصين أن الإعلام الغربي يشوه مبادرة "الحزام والطريق"، وممارسة سياسة التخويف من المبادرة من منطلق أنها ستلغي المبادرات الأخرى في العالم، وعن هذا تقول هوانغ هوي أن كافة المبادرات بين الصين وغيرها من الدول ستبقى قائمة ولا داعي لأي قلق بهذا الخصوص، مشددة على أن المبادرة التي وصل عمرها إلى خمس سنوات تراعي مصالح الآخرين ولا تقتصر على مصلحة الصين وحدها، بل تقوم على أساس متين من قيم العدل والمساواة بين الدول، وأيضا تضع مسؤوليات أكبر على الدول الكبرى في تحقيق السلام والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي وليس احتكارا أكبر للشؤون الدولية.

وينظر الصينيون إلى النموذج الغربي من زاوية الاخفاق كونه وضع العالم الثالث في زاوية مهمشة وحتى المساعدات التي تقدم إلى الدول النامية كانت كلها مشروطة، والكثير من الدول تهمشت وازدادات فقرا وتخلفا وكان هناك اختلال اقتصادي في العالم، كما أن التداعيات الاقتصادية للأزمة المالية العالمية في الغرب لا تزال مستمرة، وهو ما يجعل الصينيين يخططون لتجاوز مثل هذه الاخفاقات في مبادرة "الحزام والطريق" والتركيز على تحقيق التنمية في الدول النامية وحقها في المشاركة والمساواة والمسؤولية من الدول الكبرى لممارسة الدور الداعم لتحقيق التنمية في تلك الدول.

وتعتقد هوانغ هوي أن أسباب المبادرة كثيرة ومنها أسباب داخلية وأخرى خارجية ومن تلك الأسباب الثروات الهائلة المتوفرة والقدرات التكنولوجية المتقدمة لدى الصين وقدراتها في بناء المنشآت والبنى التحتية والصناعية وأيضا فائض القدرة الانتاجية المتاحة وعدم استغلال امكانيات التنمية حتى الآن بالشكل الصحيح في كثير من الدول.

وحول إمكانيات استفادة فلسطين من مبادرة "الحزام والطريق" ترى هوانغ هوي أن فلسطين تمتلك كنزا يتمثل في "الموارد البشرية الشابة" وهناك كثافة عمالية يمكن استثمارها في الشكل الصحيح وتأسيس صناعات تستوعب هذه الكثافة العمالية، مشيرة إلى أن الصين تسعى باتجاه تعزيز التعاون مع فلسطين وقد تم توقيع اتفاقية سابقا لإقامة منطقة تجارة حرة بين الصين وفلسطين، وهناك الكثير من الصناعات يمكن العمل عليها بشكل مشترك، بالإضافة لإمكانية الاستثمار في القطاع السياحي والزراعي.

وتعتبر مبادرة "الحزام والطريق" احياءً لطريق الحرير التاريخي القديم وتهدف المبادرة إلى إقامة شبكة من الطرق والمواصلات وسكك الحديد والبنى التحتية ومشاريع النفط والطاقة والتكنولوجيا وذلك على امتداد ثلاثة طرق رئيسية تربط بين شرق الصّين عبر آسيا الوسطى وروسيَا إلى أوروبا، والخط الآخر يكون من الصين مرورا بوسط أسيا وغربها والخليج العربي وصولا إلى البحر الابيض المتوسط، أما الخط الثالث فيمتد من الصين إلى جنوب شرق آسيا وآسيا الجنوبية وصولا إلى المحيط الهندي، بالإضافة للعديد من الممرات البرية الأخرى، وأيضا الطريق البحري يبدأ من الساحل الصيني مرورا بمضيق ملقا وصولا إلى الهندف والشرق الاوسط وشرق أفريقا، وكذلك سواحل أوروبا، وخط آخر يريط الموانئ الصينية بجنوب المحيط الهادي.

ولتنفيذ المبادرة التي انتقلت فعليا من الورق إلى حيز التنفيذ أسست الصين صندوقا استثماريا برأس مال يقدر بمليارات الدولارات لتمويل المشاريع وتعهد الرئيس الصيني في وقت سابق بتمويل ضخم للمبادرة يشمل 100 مليار يوان إضافية (14.5 مليار دولار) للصندوق، و380 مليار يوان قروضا من بنكين كبيرين، و60 مليار يوان مساعدات للدول النامية، والمؤسسات الدولية في دول طريق الحرير الجديد.