كلمة الحياة الجديدة

لا مستقبل للشر

في فلسفة الإرادة يقول المفكر الفرنسي "بول ريكور" إن الشر لا يمكن هزيمته بضربة واحدة، وإنما تتم هزيمته بضربات متتالية. حركة التحرر الوطني الفلسطينية ادركت هذه الفلسفة مبكرا، وقالت بضرورة تمرحل النضال الوطني، وتعدد سبل النضال والمقاومة المشروعة، لهزيمة الاحتلال الاسرائيلي - ولا شر أسوأ وأخطر من شر الاحتلال - بل ان الرئيس أبو مازن وبالتجربة النضالية البليغة، أضاف لهذه الفلسفة حكمة التروي، لكن بالصلابة الثورية ذاتها، وتصدى للانفعالية وبلاغات العواطف المتعجلة، ولَم يخش اأي التباس ولا اية مزايدات في هذا السياق، فأثمر ذلك حتى الآن دخولا فلسطينيا فاعلا لمؤسسات المجتمع الدولي، من الأمم المتحدة حتى محكمة الجنايات الدولية، وهذا ما يوصف بالضربة تلو الاخرى.

وحين رأى بالبصيرة الوطنية أي شر تمثله ما اطلق عليها الرئيس الاميركي ترامب اسم صفقة العصر، بدأ أولى ضربات التصدي لهذه الصفقة/الشر بكلمة الاعتراض الحاسمة في لغة الهوية الوطنية الفلسطينية، لا لهذه الصفقة التصفوية، ثم راح يلف هذا العالم ليكرس هذه الكلمة موقفا اقليميا وعربيا ودوليا،  وقد اتضحت هذه الكلمة الفلسطينية بقوة شرعيتها، وباتت بعد جولة قهرماني الرئيس الاميركي، كوشنير وغرينبلات، الاخيرة في الساحة العربية، كلمة ذات وزن بل موقفا لا أحد بوسعه ان يتجاوزه، وهذا ما قاله قهرمانا الرئيس الأميركي وان كان بكلمات اخرى ..!!

وبدل ان تسند حركة حماس هذا السياق النضالي الوطني الصاعد نحو هزيمة صفقة ترامب الصهيونية، بإنهاء الانقسام البغيض وتحقيق ارقى أشكال الوحدة الوطنية، بدل ان تفعل ذلك، اختارت بحكم تبعيتها الاخوانية وشهوات الإمارة لديها، الذهاب الى "الاتجاه المعاكس" فقامت ولا تزال تقوم بإرسال الإشارة تلو الاخرى للادارة الاميركية بأنها على استعداد "للتعامل" مع صفقتها ..!! وصلاح البردويل أعلن غير مرة ان عروضا تلقتها حركته حماس لمعالجة "الأزمة الانسانية" في غزة وان حركته بصدد دراستها (...!!!) وهي المعالجة الذريعة التي تريد الادارة الاميركية الدخول منها لتنفيذ صفقتها ..!!

اكثر من ذلك ابتهجت حركة حماس لقرار الادارة الاميركية تجميد مساعداتها للسلطة الوطنية، وثمة أنباء تقول ان البردويل ثمن هذا القرار الأميركي وصفق له، ودعا الدول المانحة لوقف مساعداتها "لسلطة عباس" حسب تعبيره ...!!! ونسي البردويل ان مندوب فلسطين في الأمم المتحدة لطالما تصدى للتوصيفات الاميركية لحركة حماس، بأنها حركة ارهابية،  ومندوب فلسطين هو مندوب الرئيس محمود عباس الذي دافع عن ضرورة التنوع والديمقراطية في النظام السياسي الفلسطيني، وهذا ما جاء بحماس في المحصلة الى حكومة هذا النظام، غير ان النكران هو دائما دأب  جماعة الاخوان المسلمين  الذين لا يقيمون للوطنية اَي وزن، ولا يفقهون اَي شيء من قيمها ومفاهيمها وضرورتها للتحرر والاستقلال والسيادة.

بالضربة تلو الاخرى، ستهزم صفقة العصر الاميركية الصهيونية، ولن تهزم وحدها بطبيعة الحال، بل سيهزم معها كل من يتوهم بامكانية تحققها، ومنهم واولهم بالطبع حركة حماس التي تلهث وراء أموال هذه الصفقة لا لكي تعالج "الأزمة الانسانية" في غزة وانما لتعالج ازمتها هي كي تكرس سلطة الانقسام البغيض علها تخلع عليها عباءة الإمارة الاخوانية .....!!

صفقة وأوهام، والحقيقة وحدها حقيقة فلسطينية بتجسيدات قرار قيادتها الشرعية، واللا الكبرى لزعيمها ابو مازن: اذا كان وعد بلفور قد مر فإن وعد ترامب لن يمر أبدا، ولا ينبغي لأحد ان ينسى ذلك، فيتوهم ان للصفقة الخديعة حقيقة أو مستقبلا ...!!

رئيس التحرير