طريق الخطيئة

في خطبة الجمعة الماضية اعلن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية ان حركته تلقت عروضا وتصورات لرفع الحصار عن غزة، وقال للتأكيد على ذلك "نشهد بداية حقيقة لرفع الحصار"، ولم يقل هنية من اين جاءته هذه العروض والتصورات، ولم يذكر ان حركته كانت قد تقدمت لإسرائيل لأجل ان تأتيها هذه العروض والتصوارات، بمشروع "الهدنة طويلة الامد"...!!! مصادر اسرائيلية كشفت ان هذا المشروع بات يلقى قبولا لدى حكومة اليمين الاسرائيلي المتطرف، وما ثمة شروط تذكر في هذا القبول..!!  
القيادي الحمساوي خليل الحية من جهته اكد هذه العروض، وكمسؤوله هنية لم يتحدث عن الجهات التي جاءت بهذه العروض القائمة على مشروع "الهدنة" التي ستدفع بها اسرائيل دون شك، لتشكل مدخلا لتصالح اسرائيلي حمساوي يأتي على رأس المشروع الوطني الفلسطيني، والتذرع بالحالة الانسانية التي يعيشها قطاع غزة اليوم لتحقيق هذه "الهدنة" التصفوية،  ليس إلا تذرعا انتهازيا، سواء من قبل حركة حماس، او من قبل اسرائيل وحاملي عروضها لرفع الحصار ..!! 
ومن المؤلم ان يصبح دم شهداء مسيرة العودة وجرحاها الذي سفحته قوات الاحتلال الاسرائيلي بتوحش عنصري بالغ، ثمنا لتسوية تصفوية، تحت ذريعة الهدنة وبالخديعة اللغوية في مصطلح "طويلة الامد" اذ لا هدنة من هذا النوع مع  موازين القوى المادية الراهنة، المختلة جميعها لصالح اسرائيل، ثم ان كلمة الهدنة بحد ذاتها كلمة مضللة، فما ثمة حرب هناك بين طرفين متكافئين، بل عدوان اسرائيلي فاحش على قطاع غزة، منذ الانسحاب الاسرائيلي احادي الجانب من هذا القطاع المكلوم، غير ذلك كيف يمكن لهدنة ان تكون بين السجان والسجين، بين القناص والحجر، بين الدبابة والطائرة الورقية، وقبل ذلك كله بين القاتل والضحية، اية هدنة هذه التي تريدها حركة حماس مع الاحتلال، ولأي سبب؟ وهي بوسعها ان تعالج الحالة الانسانية في قطاع غزة المكلوم بالمصالحة الوطنية حين الامتثال لاستحقاقاتها الواقعية والعملية، وبوسع المصالحة حين السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الشرعية الواحد، ان تعيد الحياة الى طبيعتها في قطاع غزة بلا مليشيا عصبوية وعصابية، ولا جبايات قسرية، ولا اعتقالات قمعية، ولا عمليات سطو مسلح على البنوك (جرى ذلك الاسبوع الماضي ضد احد البنوك) بوسع المصالحة الوطنية، ان تعالج الجراح كلها، لتفتح ابواب الصلح الاجتماعي على مصراعيها، من اجل التسامح والمحبة وادراك المصير الواحد، المصالحة الوطنية هي الطريق الوحيدة لإنهاء معاناة اهلنا في قطاع غزة، وهي الطريق الوحيدة لسلامة وتعاظم مسيرة الحرية الفلسطينينة، اما "الهدنة" فهي ليست إلا طريق المساومات التصفوية، طريق التطبيع مع الاحتلال، وفقا لشروطه وخدمة لاهدافه العنصرية الاستيطانية، التي لا تريد دولة لفلسطين تمتد من رفح حتى جنين وبعاصمتها القدس الشرقية!! 
غير ان حركة حماس كما هو واضح من سلوكياتها وسياساتها القمعية التي ما احتملت صلاة على روح الشهيد مهند ابو طاحون احد شهداء مسيرة العودة، بمسجد النصيرات لأن جثمانه الطاهر موشح براية حركة فتح، فقامت بإخراج المشيعين والجثمان الطاهر من المسجد بالقوة وتحت وابل من الرصاص، حماس هذه التي ما زالت تعتقل دون وجه حق المواطنة سماح ابو غياض وتمنع عنها رضيعتها وزيارتها، ثم اعتقلت اخويها بلا اي مبرر يذكر، وهذا ليس إلا على سبيل المثال لا الحصر، حماس الاخوانية العصابية هذه، وبمثل هذه السلوك وهذه السياسة، لا تريد غير ان تواصل سعيها المحموم نحو اقامة الامارة بالسلطة النفعية المطلقة ولهذا ترى طريق الهدنة اليوم طريقها، التي هي ليست إلا طريق الخطيئة، وقد باتت تغذ الخطى فيها، وهذا هو معنى ما قاله هنية انه يشهد "بداية حقيقة لرفع الحصار"...!!!