رسائل الذل والخذلان

لن نأخذ برواية الصحافة الاسرائيلية عن لقاء اسماعيل هنية مع المخابرات المصرية الاسبوع الماضي، حتى على فرض ان بعض تفاصيلها التي تحدثت عما يمكن وصفه بالاستقبال المصري "الخشن" لهنية كانت صحيحة..!! لن نأخذ بهذه الرواية لأنها تحاول ان تلقي عن كاهل قوات الاحتلال مسؤولية الجريمة التي ارتكبتها يوم الاثنين الماضي، ضد جماهير مسيرة العودة في غزة، باستخدامها المفرط للرصاص القاتل الذي اسفر عن سقوط اكثر من ستين شهيدا، وقرابة ثلاثة آلاف جريح، وهناك الآن اربعة وخمسون جريحا في حالة موت سريري.

غيران ما يثير الدهشة والتعجب، ان حركة حماس هي التي أخذت برواية الصحافة الاسرائيلية هذه، وعلى نحو أقلقها بقدر ماهي رواية فضائحية على نحو ما، بدلالة انها سارعت لنفيها بكلمات عامة، وتأكيدات ان مسيرة العودة متواصلة، وهو ما لم يبد واضحا تماما في الجمعة الفائتة...!! الأسوأ من ذلك ان بعض تصريحات قادتها النافية وغيرها اعطت للرواية الاسرائيلية شيئا من الصحة (...!!) خاصة ما يتعلق بكذبة "الدفاع عن النفس"..!! السنوار رئيس حماس في قطاع غزة المكلوم قدم لهذه الرواية "كلاما" لا يقود لغير تأكيد  كذبتها المفضوحة، حين كشف دون اي تحسب أمني، في مقابلة تلفزيونية، ان عناصر من "القسام" دخلوا بين المتظاهرين في مسيرة العودة، وهذا ما تقوله الرواية الاسرائيلية، ليس الصحفية فحسب، وبل والرسمية ايضا التي هولت الامر الى ابعد حد ..!! الزهار من قبله كان قد اعطى سندا لروايات الدفاع عن النفس المزعوم، حين تحدث عن "خسائر حقيقية" تكبدها الاحتلال وما زال يخفيها، لأن "المقاومة كانت تحمي ظهر مسيرات العودة" ولا يوحي كلام الزهار هذا، الخالي من كل تحسب وحساب امني واعلامي، غير ان قوات الاحتلال كانت ترد فحسب على خطر تواجهه ...!!!!

لكن العالم بأسره عدا الادارة الاميركية بطبيعة الحال، بحكم ما باتت عليه من خادمة للعمل الصهيوني، العالم بأسره لا يصدق كذبة الاحتلال عن "الدفاع عن النفس" ومجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة كأبرز مثال، ادان جرائم الاحتلال ودعا الى ايفاد لجنة دولية للتحقيق فيها.

نفهم طبعا ان كلام هنية والسنوار والزهار، ليس اكثر من كلام شعارات استقطابية وهو الكلام الذي تسقط فيه عادة الحسابات الواقعية، والمراجعات النقدية، بل والتحسبات الضرورية لتجنب اية خسائر محتملة على اي صعيد مادي او معنوي، وبما يعني ان حال حماس ما زال هو حال الادعاء والاستعراض وتجاهل الواقع ومعطياته، وهو الامر الذي يعمق جراح القطاع المكلوم ويفاقم اوضاعه المأساوية، خاصة وان حماس مازالت لا ترى الطريق الوطنية للخروج من كل هذا الوضع ومعالجة كل هذه الجراح، وهي ترفض الامتثال لأي من استحقاقات المصالحة الوطنية، واحدث ما في جعبتها في هذا الاطار ان مصطلح التمكين للحكومة الشرعية مصطلح "متعب ومرهق" حسب وصف اسماعيل هنية وبما يعني انه يريد التمكين المريح الذي يضمن بقاء حركته في سدة الحكم بمليشياته وجباياته غير القانونية والاحدث من ذلك رسائلها لاسرائيل من اجل هدنة طويلة الامد ما يعني ان حماس تفتح طريقا آخر لصفقة القرن وانها على استعداد لعمل كل شيء من اجل هذه الهدنة ...!!! ويبقى فتحي حماد الذي يأمل من مصر ان تعمل الى جانب حماس ليكون هناك ميناء الى جانبهم ...!! ستون شهيدا واكثر والآلاف الجرحى سقطوا الاثنين الماضي، من اجل هدنة طويلة مع اسرائيل وميناء الى جانب مصر ...!! اية دويلة تريدون، واية خطيئة ترتكبون واي خذلان تحققون لدم الشهداء والجرحى..؟؟

انها رسائل الذل والعجز هذه التي تطالب بالهدنة، وعلى السنوار وهنية اللذين يبعثان بهذ الرسائل، ان يكفوا عن خطب الشعارات التي يزاودون بها على الشرعية الوطنية التي يتهمونها "بالتنسيق الامني"، الذي لم يعد له وجود، ورسائلهم اخطر تنسيق امني يمكن ان يكون، اذ انه لا يستهدف سوى تدمير المشروع الوطني الفلسطيني، مشروع الحرية والاستقلال، بدولة فلسطين من رفح حتى جنين وبعاصمتها القدس الشرقية ، هل ثمة تنسيق اخطر من هذا ..؟ 

رئيس التحرير