هنا اعتقل البريطانيون حرائر فلسطين

قصر حنضل .. سجن النساء المركزي في العهد البريطاني

بيت لحم- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- يقع قصر حنضل على جبل داود في بيت لحم، مطلاً على الشارع الجديد (شارع المهد)، يعلو واجهته نقش مميز ممتد على عدة أمتار اختار صاحبه أن يكون مختصرًا وباللغة الانجليزية بأحرفٍ كبيرة وكأنه يحاكي ثقافة اللافتات في أميركا (HANDAL) يحيط به على الجانبين سنة البناء بالأرقام الانجليزية (العربية) والعربية (الهندية): 1911م.

استخدمت مادة الإسمنت في صنع اللوحة التعريفية هذه، وهو ما شكل في حينه تحديثا مهما، وزُين القصر من الداخل، كما يذكر مركز حفظ التراث برسومات لمناظر: "للصيد في غرفة الضيوف، كما تم رسم جدران أعمدة وشبابيك وهمية على جدران الغرفة بحيث تظهر وكأنها متناظرة". كل هذه الأبهة ستتحول، في ظروف لا نعرفها، في خدمة وسائل قمع الاحتلال البريطاني، الذي حوّل القصر في بداية عام 1935م، إلى سجن مركزي للنساء العربيات، أو ربما في مرحلة لاحقة خصص للعربيات، فيما خصصت فيلا سالم القريبة للسجينات اليهوديات، وشق شارع صغير بين البنايتين.

يذكر خليل شوكة بأن مفتشا بريطانيا، كان يشرف على السجن: " وكانت السجينات تحت إشراف رئيسة انجليزية تقوم بالتفتيش على السحن مرة كل أسبوع، وكانت توجد فيه ست سجانات عربيات".

لدى هيلين سمعان، وهي شخصية واسعة الثقافة، ذكريات من طفولتها عن سجن النساء، حيث عملت خالتها جميلة قسطندي قسيس فيه. تتذكر سمعان: "كان مدير السجن المستر غراهام وزوجته كانت المشرفة وخالتي كانت مساعدتها، وسمعت خالتي تمدحه كثيرا، وعندما تقاعد رحل وزوجته إلى جنوب إفريقيا، وتواصلت الرسائل بينهما وبين خالتي، وتولى إدارة السجن مستر طومسن، وكان اصغر عمرا من سلفه، ولم يكن كفؤا مثله في الإدارة، وأصبحت خالتي المشرفة".

من اللواتي اعتقلن في هذا السجن زوجة نجيب نصَّار (1862–1948) الموزع بين عثمانيته، وفلسطينيته، ولبنانيته، وعروبته ومسيحيته، وعلمانيته، وحداثيته، هو صاحب جريدة الكرمل، وشيخ الصحفيين الفلسطينيين، وأب فلسطين، والروائي، والناشط مبكرًا ضد الصهيونيّة فكرًا وعملاً (كتابه عن مخاطر الصهيونّية صدر عام 1905م)، والمطارد للعثمانيين، وقد تكون أكثر هوياته وضوحًا هي عروبته، كما يمكن استشفاف ذلك من رواية مفلح الغساني (نشرها وقدم لها حنّا أبو حنّا)، وفي ذمة العرب (قدم لها ودرسها د.عبد الرحمن عبّاد) التي كتبها خلال الحرب العالمية الأولى، وساد الاعتقاد، ولا يزال بأنها ضاعت، وهو أمر غير صحيح.

هذا النصّار، صاحب الألقاب، لم يرَ فيها ما يستوجب ذكره، وقال بعد اعتقال سلطات الاحتلال البريطاني لزوجته ساذج في سجن النساء المركزي في بيت لحم: "إن لم أدخل التاريخ بسبب الكرمل، فسأدخله لكونك أوّل أسيرة في زنازين الاحتلال البريطاني".

زوجة نصّار هي ساذج نصَّار (1882-1963)؛ زوجته الثانية صحفية مثله، ومن أسرة بهائية، في زمن يبدو الآن بهيًا، لم يكن الفلسطينيّ يُعرف نفسه بدينٍ أو بطائفةٍ..!. هذه حكاية من سجن النساء في بيت لحم، وما أكثر حكاياته..! فالصحف الفلسطينية كانت تنشر بين وقت وآخر أخبارًا عن سجن النساء، كما يظهر مثلا من خبر نشرته صحيفة فلسطين بتاريخ 5-2-1937م بعنوان (العفو عن صبحة الجلاد): "بيت لحم في 4 شباط-أخبرتكم في رسالة سابقة أن صبحة الجلاد (من طولكرم) التي حكم عليها بالسجن خمس سنوات أثناء الاضطرابات لحيازتها أسلحة نارية قد نقلت إلى مستشفى القدس لأنها أصيبت بمرض في سجن النساء".

ويسرني أن أخبر قراء (فلسطين) اليوم أن صبحة قد نقلت إلى السجن مرة أخرى ولكنها بُلغت بالأمس أمًرا صادرًا من فخامة المندوب السامي بالعفو عنها".

كتب محمد عزة دروزة في يومياته 29-9-1936م وهو مقيم في دمشق، ضمن الهيئات القيادية الفلسطينية التي تدعم الثورة، نقلاً عما كتبته الصحف الفلسطينية: "حُكم على صبحية الجلاد من طولكرم بالسجن خمس سنين لحيازتها بندقية". بالطبع هناك فرق في ذكر الاسم بين صبحة وصبحية، ولكن هذا لم يكن مهما. بالنسبة لدروزة المهم هو دور النساء في الثورة: "وقد ذكرت هذه الحادثة لكونها عائدة إلى سيدة، أما الأحكام على الرجال فهي متواصلة".

وفي نفس اليومية كتب تحت عنوان وفد نسائي يزور سجينة عربية: "وذكرت الصحف أن وفدًا من النساء زار صبحية الجلاد المسجونة في بيت لحم، على ما ذكرناه قبل، بحكم محكمة عسكرية".

من أسماء الأسيرات العربيات التي وردت في الصحف الفلسطينية في ثلاثينيات القرن الماضي: فاطمة طوقان زوجة سعدي طوقان، وزهرة بصل، وحمدة محمود خضر، وهنا عودة دياب، ونجمة خليل إسماعيل وغيرهن.

قصر حنضل، الواقع على المنحدر الشمالي لجبل داود، توقف عن أن يكون سجنا عام 1948م، حيث تبدلت الأحوال، وغادرت بريطانيا الأرض المقدسة، بعد ما أسالت فيها دماءً كثيرًا، وسكن فيها لاجئون من الذين شردوا من مدنهم وقراهم، ولكن هذا لم يدم طويلا، حيث آل القصر إلى جمعية التقارب المسيحية الأميركية ومركزها في كانساس التي عرفت محليا باسم مديرها أو منشئها (بني)، وحولت القصر ميتما، وتوسعت نشاطات الجمعية لاحقًا.