عناق الدب

هآرتس - نير حسون

في كل "يوم قدس" في السنوات الاخيرة تصادق الحكومة على مخططات وميزانيات للمدينة العاصمة. من يفحص هذه المخططات يدرك أن حكومة اسرائيل تمر بثورة في كل ما يتعلق بشرقي المدينة. هكذا مثلا، الخطة التي تمت المصادقة عليها في 2014 سميت باسم "خطة تعزيز الأمن الشخصي والتطوير الاقتصادي – الاجتماعي". وقد جاء في هذه الخطة أن هدفها المركزي هو تقليص العنف من خلال زيادة تطبيق القانون وتقليص الفجوات في مجال البنى التحتية والتشغيل والتعليم والرفاه. الفكرة كانت أنه يجب تحسين شروط الحياة في شرقي القدس من اجل الاسهام في الأمن وليس لأن هذا هدف هام. في الخطة التي تمت المصادقة عليها أمس لا يوجد ذكر لهذه الرؤية، التي استبدلت بفكرة تقضي بأن الحكومة يجب أن تعمل بكل ما اوتيت من قوة لأسرلة شرقي القدس.

خلال عشرات السنين تعاملت السلطات الاسرائيلية مع شرقي القدس وكأنه منطقة تختلف عن باقي ارجاء الدولة. تقريبا كل الخدمات ومنها الصحة والتعليم والمواصلات تعمل في الاحياء الفلسطينية بواسطة مقاولين من الباطن. هذا التعامل ينبع من التوفير في الميزانيات واستغلال الاجهزة المدنية للاحتياجات الامنية والضعف السياسي لسكان شرقي القدس والشعور بأن المدينة الشرقية هي فقط وديعة مؤقتة في أيدي اسرائيل، حيث إنه خسارة على الاستثمار فيها.

التغيير بدأ من الاسفل من جهة السكان الفلسطينيين. بعد اغلاق جدار الفصل قبل عشر سنوات تقريبا اضطر سكان شرقي القدس الى التوجه غربا والبحث عن مستقبلهم لدى اليهود. عندها بدأ الطلب لمخططات برامج تعليم اسرائيلية، وعلى اماكن عمل اسرائيلية وعلى تعلم اللغة العبرية. بعد بضع سنوات هذه العملية تم تبنيها من قبل بلدية القدس ووزارة التعليم ووزارة شؤون القدس. الخطة التي تمت المصادقة عليها أمس (الاول) هي محاولة اعطاء عناق كبير لسكان شرقي القدس وادخالهم الى نطاق الانظمة الاسرائيلية.

الخط الاساسي لوزارة المواصلات سيبدأ العمل ايضا بحافلات في شرقي القدس، الاراضي ستسجل في الطابو الاسرائيلي، مفتشو البجروت الاسرائيلي سيصلون الى المدارس في شرقي القدس وما أشبه. من هذه الناحية يجب تهنئة الحكومة التي ادركت بعد 51 سنة أنه لا يمكن ضم الاراضي في شرقي القدس وتجاهل السكان الذين يعيشون فيها.

ولكن هنا يجب اضافة تحفظين مهمين جدا. الاول هو أن الخطة تتجاهل تماما بضعة آلاف من السكان الفلسطينيين الذين يعيشون في الاحياء التي تقع خلف جدار الفصل. هؤلاء هم ايضا مقدسيون وجزء من دولة اسرائيل. إن تجاهل احتياجاتهم ليس صدفيا. فهو جزء من فكرة متبلورة من اجل فصلهم عن القدس. في هذه الاثناء الخطة في الشأن الذي اراد الوزير الكين تطبيقه ما زالت تراوح في المكان، لكن لا يوجد شك تقريبا بأن فكرة جديدة ستظهر قريبا. هذا التجاهل سيزيد المشكلات فقط في الاحياء التي تقع خلف الجدار وكذلك التوتر الشامل في شرقي القدس.

التحفظ الثاني والأهم هو أنه مع كل الاحترام لعملية الأسرلة واستثمار ملايين الشواقل من قبل الحكومة، فان مشكلة شرقي القدس هي في المقام الاول مشكلة سياسية.

من صاغوا الخطة يعرفون ذلك ايضا. "الاغلبية الحاسمة من سكان شرقي القدس لهم مكانة مقيمين دائمين، وليسوا مواطنين"، هكذا كتب في الاقوال التفسيرية للخطة، "يوجد لهذه الميزة تأثير كبير على رؤية شرقي القدس للمؤسسة والمجتمع الاسرائيلي، وعلى العلاقة الثقافية والسياسية للسلطة الفلسطينية". الحقيقة الاهم التي يجب معرفتها عن القدس هي أن سكان شرقي المدينة ليسوا مواطني دولة اسرائيل.

سكان شرقي القدس العرب يشكلون 40 في المئة من السكان في العاصمة وليست لهم حقوق تصويت للكنيست الاسرائيلي التي تؤثر على حياتهم. هذه الحقيقة هي سقف من الباطون المصبوب من الأعلى لكل الخطط وجسر الفجوات وحل المشكلات في شرقي القدس. وطالما أن اسرائيل غير مستعدة لاعطاء المواطنة بشكل عام لـ 330 ألف شخص من سكان شرقي القدس العرب، فان الفجوات بين شطري المدينة لن تختفي ومشكلة القدس لن تُحل.

المعطيات تظهر أن دولة اسرائيل لا تفكر في اعطاء المواطنة للفلسطينيين في العاصمة.

في هذه السنة حصل 153 فلسطينيا مقدسيا فقط على المواطنة الاسرائيلية، عدد منهم طلبوها قبل سبع سنوات. ومع ذلك، معنى اعطاء الجنسية لسكان شرقي القدس هو تنازل نهائي مطلق عن أي حل سياسي، وهو المرحلة الاولى في الطريق الى دولة ثنائية القومية. وهذه الحقيقة البسيطة لا يقولها أي أحد.