"بارد" على خط النار!

غزة- الحياة الجديدة- إسلام أبو الهوى- لم يكن المكان هادئا فقد اختلطت أصوات المتظاهرين مع أصوات الباعة المتجولين الذين اتخذوا امكنة قريبة منهم ليعرضوا بضائعهم المختلفة في المكان.

وبين مطالب المتظاهرين بالعودة إلي مدنهم وديارهم التي شردوا منها، يحمل الباعة هما آخر وهو العودة الى بيوتهم بقليل من المال لسد احتياجاتهم المتزايدة في غزة التي تعيش أوضاعا اقتصادية متدهورة.

وبين أصوات سيارات الإسعاف والغاز المسيل للدموع يقف الباعة غير آبهين بالموت المحدق بهم من كل جانب وهم يصنعون ساندويشات خفيفة او يقدمون المشروبات المتنوعة.

"الحياة الجديدة" كانت في قرية خزاعة شرق محافظة خان يونس حيث نصبت خيام العودة على بعد 350 مترا من السياج الحدودي الفاصل بين غزة وداخل الخط الأخضر، والتقت الباعة وتحدثت معهم عن همومهم وظروفهم التي دفعتهم للعمل وسط هذا الجو الذي هو على مقربة من خط النار.

عرضة للموت بأي لحظة

وفي مكان قريب كان يقف أمام ثلاجته بكل همة ونشاط يبيع المشروبات الغازية الباردة في ظل درجة الحرارة المرتفعة في المكان بفعل حرارة اشتعال اطارات الكوشوك المشتعلة مع حرارة الجو بسبب إطلاق النيران المتزايد.

يقول الشاب مازن فوزي "29 عاما": "أسرعت إلى استدانة 500 شيقل لأشتري ثلاجة "مستخدمة" للمشروبات بعد الإعلان عن مسيرة العودة الكبرى، وخلق فرصة عمل لي حتى ولو مؤقتة خاصة بعد تعطلي عن عملي في أحد مطاعم مدينة غزة لإصابتي في عام 2015 على الحدود الشرقية لخان يونس".

وأضاف: لدي طفلان أريد أن أجلب لهما ما يحتاجانه، وتلك فرصة ذهبية لأوفر لهم ما يلزمهم واعوضهم قليلا، مؤكدا أنه لا يخاف من تواجده رغم انه عرضة للموت بأي لحظة وسيواصل التواجد حتى انتهاء المسيرة.

ويكمل وهو منشغل ببيع أحد المشترين "يبدأ عملي من الساعة التاسعة صباحا حتى الثالثة فجرا"، مبينا أن حركة البيع والشراء تنشط في يومي الخميس والجمعة ليبيع نحو عشرة صناديق بينما في الأيام العادية يبيع نحو(4) صناديق من المشروبات الباردة.

"سبع صنايع" بمؤهل هندسة ديكور

ما ان انتهينا من شرب الماء البارد حتى ساقتنا أقدامنا إلى حيث اللحم المشوي على عجل "كباب" الذي يصنعه الشاب رائد النجار (29 عاما) بأسعار رمزية جدا.

يقول النجار في حديثه لـ "الحياة الجديدة": "التحقت بصفوف العاطلين عن العمل بعد انهائي لدراسة هندسة ديكور من الجامعة الإسلامية"، لافتا إلى انه لم يترك طلبا لوظيفة شاغرة إلا وتقدم لها لكن دون جدوى".

وأكمل ضاحكا بمرارة: في إحدى المرات التي تقدمت بطلب عمل مؤقت في "الاونروا" كان موعد حصولي على العمل في عام 2024 ما اضطرني للعمل في حرف مختلفة منها السباكة، والنجارة، وفني كهرباء وغيرها، متهكما "سبع صنايع والبخت ضائع" إلى ان وجد عملا مع أبناء عمه في محل لبيع اللحوم في وسط البلد.

بعد أن اقترح عليه بعض الأصدقاء بإقامة نقطة بيع له في مخيمات العودة على الحدود الشرقية، افتتح النجار مكانا هنا سماه مشاوي العودة حيث كان الأول هناك لبيع المشاوي وبأسعار رمزية جدا.

يقول: انتظر مولودي الأول وأريد ان أوفر بعض المال لشراء بعض المستلزمات الضرورية مؤكدا أنه يتواجد في المخيم يوميا من جهة لمتابعة عمله ومن جهة أخرى لمشاركته في فعاليات العودة لإيمانه الكامل أنه سيعود يوما إلى مدينته يافا التي هجر منها جدوده قسرا.

عاطل عن العمل منذ(17) عاما

وفي طريق عودتنا كان محمد قديح (56 عاما) ينادي بصوت رنان "يلا بزر، يلا فستق، يلا لوز" وأمامه أكياس المكسرات والتسالي التي يبيع منها للمتظاهرين الذين يلجأـون في بعض الأحيان لسد جوعهم.

يقول لـ "الحياة الجديدة": أنا عاطل عن العمل منذ حوالي (17)عاما بعد ان كنت عاملا في الخط الأخضر، لكني الآن اعتاش على المساعدات الاغاثية من هنا وهناك، لافتا إلى أنه يعمل على هذه البسطة عاملا بأجرة تصل حوالي 20 شيقلا في اليوم".

ويضيف: الاقبال على المكسرات ضعيف، فهي ليست كالسلع الأخرى كالطعام والمشروبات الضرورية لكن حركة البيع تنشط بشكل كبير في يوم الجمعة.

وبينما انشغل "قديح" في بيع أحد الزبائن انتقلنا إلى جاره الذي كان يبيع السجائر مع المشروبات الساخنة مع ابنه بين المتظاهرين الذين غالبا ما يجدون وقتا لتدخين سيجارة على عجل قبل الذهاب لاستنشاق دخان الكوشوك.

مخيمات العودة.. فرصة عمل مؤقتة

يقول الابن جهاد (24 عاما): "فرص العمل في قطاع غزة تكاد معدومة بسبب الأوضاع المادية المتدهورة لكن إذا رأى أحدنا فرصة تمسك بها لذا لم أفوت على نفسي فرصة عمل بسطة لبيع المشروبات الساخنة والسجائر ليبدأ عملي من الصباح الباكر حتى منتصف الليل.

ويكمل عنه والده الخمسيني أبو جهاد: "لدى ابنتان تدرسان في الجامعة (تمريض، وإدارة صحية) وسأبذل كل جهدي لتكملا تعليمهما وسأستمر في التواجد في المخيم مهما اشتد واقترب الخطر فهذا هو قدرنا أن تكون لقمة عيشنا مغمسة بدمائنا.

وأضاف "كان المردود المالي في الأسبوع الأول جيدا لكن مع كثرة تواجد المنافسين في المكان تراجع قليلا"، لافتا إلى أنه تعرض مرات عدة لقنابل الغاز المسيل للدموع.

ونحن نودع المكان ألقينا نظرة من تلة صغيرة فرأينا جموعا حاشدة وهي تختصر المشهد بكلمتين: "حياة وسوق"، حيث الحياة الكريمة التي ينشدها الناس والحاجة إلى التسوق رغم الظروف الصعبة التي يعيشها المتظاهرون في المخيم.