تجاوزات في مشاريع البنية التحتية..من ترسية العطاء إلى التنفيذ!

الصور المرفقة في التقرير ارشيفية ولا ترتبط ارتباطاً مباشراً بمحتوى المادة.

الحياة الجديدة- عاطف أبو الرب- كثيرة هي مشاريع البنية التحتية التي نفذتها المؤسسات العامة(الحكومية والمحلية) منذ قيام السلطة الوطنية، لكن بعضا منها عابها أخطاء منها فنية وهندسية وأخرى تتعلق بالالتزام بموعد التسليم، فلماذا تحصل مثل هذه الأخطاء والتجاوزات رغم ان من ينفذها ويشرف عليها يفترض انهم مختصون؟

"الحياة الجديدة" تفتح ملف الأخطاء التي ترتكب خلال تنفيذ مشاريع البنية التحتية بدءا من ترسية العطاء وانتهاء بالتنفيذ.

 مسؤولون في هيئات محلية اتهموا شركات بعدم الالتزام بشروط العطاءات أو بالمواصفات الفنية والهندسية، في وقت يؤكد فيه خبراء أن المشكلة تبدأ من ترسية العطاءات إذ تميل هيئات محلية لترسية العطاءات على الأقل سعرا ما يفتح المجال لحصول اختلال في التنفيذ، مشيرين إلى أن بعض الشركات تقدم عروضا تقل كثيرا عن السعر التقديري بموجب دراسة التكاليف.

والأدهى ان بعض المؤسسات لا تقوم بتعيين مهندس إشراف مؤهل بما يكفي، ما  يتيح لشركة المقاولات التهرب من تنفيذ بعض الشروط الفنية،وهذا من شأنه أن يقود إلى نتائج سلبية يصعب معالجتها فيما بعد.

من ناحيتهم، اتهم مختصون بعض مالكي المشاريع بالتساهل مع المخالفات الامر الذي يشجع المقاولين على عدم الالتزام بالشروط، فيما كشف عضو مجلس بلدي عن تعرض بلديته لضغط من مسؤولين لغض  الطرف عن تجاوزات ارتكبت خلال تنفيذ أحد العطاءات.

بدوره، يرى مسؤول في اتحاد المقاولين أن  نقص الأيدي الماهرة في السوق المحلي دفع بعض الشركات للاستعانة بأشخاص غير مؤهلين.

وكشف مسؤول في  نقابة المهندسين أن القانون لا يشترط على الجهات مالكة مشاريع البنية التحتية الحصول على ختم النقابة قبل تنفيذ المشروع لضمان تطبيق المواصفات الهندسية اللازمة، ما يترك الباب مشرعا امام ارتكاب مخالفات.

بلديات تتحدث عن عدم التزام مقاولين بالوقت وبالمواصفات

يقول عضو مجلس بلدي قباطية محمد كميل: لدينا مشاكل مع المقاولين سواء في الالتزام بالشروط أو بالمواصفات، فمن جهة كثيرون من لا يرون الالتزام بالوقت والجداول الزمنية ذا قيمة عند توقيع أية اتفاقيات، في وقت تكون البلدية باعتمادها جداول زمنية تراعي ظروف البلد، ووجود برامج ومشاريع أخرى عليها تنفيذها. من جهة ثانية قليلون من يلتزمون بالمواصفات والشروط الفنية عند توريد المواد، وتنفيذها على الأرض.

وأشار إلى أن البلدية واجهت خلال أقل من عام عدة مشاكل تتعلق بجودة المواد، وشروط التنفيذ، ورغم تنبيه البلدية على المقاولين بضرورة الالتزام، إلا أن البعض لا يرى نفسه ملزما بما تطلبه البلدية منه، ويواصل عمله دون مراعاة للشروط الفنية.

وأكد أن بلدية قباطية خلال الفترة الماضية فتحت أكثر من نزاع مع مقاولين تعاقدت معهم، وكل ذلك بسبب عدم التزامهم بشروط العقود المبرمة بينهم والبلدية. وأشار إلى أن المؤسف في جميع هذه الحالات التدخلات التي تحدث سواء من قبل مسؤولين أو وجهاء، وآخرين، وكل هذه التدخلات تطالب البلدية بالتساهل مع المقاول، وذلك بحجة أن المقاول سيتحمل خسائر إذا أصرت البلدية على موقفها، في وقت يرى فيه أن تراخي البلدية يعني دمار المشاريع المنفذة، واستهتارا بالمال العام.

وأكد أنه حتى الآن لم تتجاوب البلدية مع كل هذه التدخلات، وتواصل مسيرتها للدفاع عن مقدرات المواطنين، وهي تؤكد أن العقد شريعة المتعاقدين، وأنها لن تتوانى في انتزاع حق المواطن من بعض المقاولين.

المشاكل تبدأ مع ترسية العطاءات

من واقع خبرته في مجال المقاولات، والإشراف الهندسي قال المهندس الحثناوي: تبدأ المشكلة عند ترسية العطاءات على مقاولين فقط بسبب تدني السعر، ففي الوقت الذي تكون الجهة المسؤولة عن المشروع قد أعدت دراسة تكاليف، مع مراعاة كل الظروف، فإن بعض الشركات تقدم عروضا تقل كثيرا عن السعر التقديري بموجب دراسة التكاليف، ومن هنا يبدأ الخلل، فكيف لشركة تقدم سعرا أقل من المتوقع أن تلتزم بالشروط والمواصفات؟

الأمر الآخر الذي يساهم بعدم الالتزام بالشروط، أن بعض المؤسسات لا تقوم بتعيين مهندس إشراف مؤهل بما يكفي، الأمر الذي يتيح لشركة المقاولات التهرب من تنفيذ بعض الشروط الفنية، وهذا في الغالب يؤدي إلى نتائج سلبية يصعب صيانتها، خاصة إذا وصل المشروع لمراحله النهائية. وهنا فإن على أصحاب المشاريع من الهيئات المحلية التشدد في اختيار المهندس المشرف، لأن المهندس المؤهل قادر على تصحيح الكثير من الأخطاء في الوقت المناسب، في حين المهندس غير المؤهل يمكن أن يراكم الأخطاء.

ونوه المهندس الحثناوي إلى أن بعض المختبرات، إما بقصد أو بغير قصد، تعطي نتائج إيجابية لبعض المقاولين، في وقت أن الأمر عكس ذلك. وطالب الحثناوي بإجراء الفحوصات في أكثر من مختبر، وذلك لضمان الحصول على نتائج أفضل وأدق، وتجنب أي تلاعب من قبل البعض، سواء كان بقصد أو لخلل في أجهزة الفحص.

واعتبر الحثناوي أن تراخي وتساهل بعض مالكي المشاريع مع المخالفات يشجع المقاولين على عدم الالتزام بالشروط، إيمانا من المقاول بأن الأمر سينتهي بصورة ودية، وأن مخالفته للشروط لن يترتب عليها أية التزامات.

واعتبر أن المسار القانوني في معالجة المخالفات يجب أن يكون سيد الموقف، فلا يجوز تسوية هذه المخالفات على حساب المصلحة العامة، ويجب أن يشعر المقاول أن التزامه بالشروط أضمن له.

نوعان من المشاريع

مدير عام الحكم المحلي في جنين وليد استيتي قال: المشاريع نوعان، أحدهما تمويل ذاتي والآخر ممول من جهات مانحة، أو من خلال الوزارة، مشيرا إلى أن آلية التنفيذ موحدة، فالمشاريع إما تحتاج لاستدراج عروض، أو عطاء ينشر في الصحف، وهناك آليات تنظم العملية، وتحدد إن كان الأمر يحتاج إلى عطاء أم استدراج.

وعندما تكون الهيئة المحلية هي صاحبة المشروع فإنها تتحمل مختلف الأمور، ويكون دور الوزارة الإشراف الفوقي غير المباشر، وتدخل الوزارة فقط ينحصر في الإجراءات، من خلال المشاركة في لجنة العطاءات، وفي حال ورود شكوى حول خلل معين يتم تكليف لجنة فنية لفحص كل التفاصيل، وتقديم مقترحات حول التزام المقاول بالشروط.

وعن أسباب الخلل الذي يحدث في تنفيذ المشاريع أشار استيتي إلى أن نقص الخبرات لدى الهيئات المحلية في إعداد كراس المواصفات، يعزز فرص الخلل، وذلك بسبب وجود ثغرات في المواصفات، وجداول الكميات، وغير ذلك من تفاصيل لم يراعها معد الدراسة التفصيلية للمشروع، كما اعتبر أن نقص خبرات المشرفين المعينين من قبل الهيئة المحلية سبب آخر يعزز شهوة المقاول لعدم الالتزام بالشروط، سواء الشروط الفنية أو الجداول الزمنية، واختلاق الأعذار للتنصل من أية مسؤولية، لذا فإن اعتماد مهندسين ذوي كفاءة عالية وخبرة في مجال الإشراف والمقاولات يقلل من فرص المقاول لارتكاب مخالفات. ويرى استيتي أن شرط دفع غرامات في حال التأخير عن المواعيد المحددة في الغالب تتراخى فيها الهيئات المحلية، ويتم التغاضي عنها.

بطاح: سر المشاكل أقل الأسعار والمنافسة غير الشريفة

اعتبر رئيس بلدية عجه أحمد بطاح أن معظم المشاكل التي تواجه البلديات في تنفيذ المشاريع إصرار الجهات المختصة على ترسية العطاءات على أقل الأسعار من بين المتقدمين، حتى لو كان السعر أقل من الدراسة التقديرية المقدمة من البلدية. وقال: في معظم الحالات يراهن البعض على قدرته في المناورة والتحايل على البلديات من خلال التلاعب في المواصفات. وأشار إلى أن المكاتب المشرفة في بعض الحالات لا توفر المهندس الكفؤ، وبالتالي لا يتم الالتزام بالمواصفات من قبل الشركات، وكل هذا ينعكس سلبا على المشاريع التي يتم تنفيذها. وعن اشتراط ترسية العطاءات على الأقل سعرا رغم وجود بند بأن البلدية غير ملزمة بأقل الأسعار أشار بطاح إلى أن اختيار أي شركة غير الأقل سعرا أدى في كثير من الحالات إلى مواجهة مع الجهات الرسمية في الوزارات، رغم عمل دراسة تحليل أسعار والتأكد بأن السعر المقدم من قبل المقاول غير مقنع، ومع ذلك تصر الوزارات على أن يكون العطاء من حق الأقل سعرا. وأكد أن هذا الواقع أدى إلى مشاكل كثيرة مع مقاولين، ومنهم من تحمل خسائر كبيرة، نتيجة التزام البلديات بالشروط الموضوعة في العطاء، وتشديد الرقابة، ما حال دون تمكن المقاول من الغش، والتلاعب في المواصفات، وهناك أدلة كثيرة.

مصلح: الأقل سعرا الأكثر خطرا

ويرى عضو مجلس إدارة اتحاد المقاولين – فرع القدس محمد مصلح أن إصرار الجهات الرسمية على ترسية أي عطاء على المتقدم الأقل سعرا يشكل خطرا كبيرا، وأنه يتسبب في خسائر كبيرة للشركات، إلى جانب تدني مستوى المخرجات في الكثير من المشاريع. وعن أسباب تراجع مستوى الأداء اعتبر مصلح أن نقص الأيدي الماهرة في السوق المحلي، دفع ببعض الشركات للاستعانة بأشخاص غير مؤهلين بما يكفي، مما تسبب للاستعانة بعمال غير مهرة، وهذا ينعكس سلبا على المخرجات، كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الأيدي العاملة في قطاع الأبنية خلال السنوات الماضية تسبب في خسائر كبيرة لبعض الشركات. وعن سبب هذا النقص في الأيدي الماهرة أشار مصلح إلى أن سوق العمل الإسرائيلي سوق جاذب للأيدي العاملة، نظرا لارتفاع الأجور، ما يدفع العمال المهرة للعمل في الداخل.

وطالب مصلح بمراجعة حقيقية لموضوع العطاءات، خاصة ترسية المشاريع على الأقل سعرا من بين المتقدمين، لما لهذا الأمر من تأثير سلبي على الجودة، والالتزام بالمواصفات.

حمدية: دورنا استشاري وتحكيم

وقال أمين سر اتحاد المقاولين في محافظة جنين جمال حمدية: إن الاتحاد يتلقى في العادة شكاوى من قبل المقاولين ومن قبل أصحاب المشاريع في حال خلاف بين الطرفين. وأشار إلى أن معظم المشاكل التي تصل الاتحاد تتعلق بالتزام المقاول بالشروط والمواصفات المنصوص عليها في كراس المواصفات، وبكل أسف في كثير من الأحيان يكون هناك ثغرات في المواصفات ما يتيح المجال أمام المقاول للتهرب من تنفيذ بعض الشروط. وعن إلزامية قرارات التي تصدر عن الاتحاد أشار حمدية إلى أنه في حال اتفق طرفا النزاع على التحكيم يصبح قرار اللجنة المكلفة ببحث الموضوع ملزما للطرفين أمام المحاكم. وطالب حمدية بإعداد الدراسات بدقة، وتعيين مهندسي إشراف قادرين على مواكبة تطورات العمل في المشاريع، لتجنب وقوع مشاكل في التنفيذ.

زكارنة: مخططات الشوارع لا تختم من النقابة

قال رئيس نقابة المهندسين فرع جنين المهندس محمود زكارنة: إن الجهات المالكة لمشاريع البنية التحتية، سواء الشوارع أو الملاعب وغيرها من المشاريع المماثلة لا يشترط فيها توقيع نقابة المهندسين على المخططات، ما يعني احتمال ألا تكون هذه المخططات وفق القواعد الهندسية المطلوبة.

واعتبر أن الخلل في هذا المجال يقع على عاتق الجهات المشرعة، والجهات التنفيذية، سواء الحكم المحلي أو الأشغال العامة. وأكد زكارنه أن الجهات صاحبة مشاريع البنية التحتية تكتفي بمخططات المشروع التي يعدها بعض المهندسين، وفي بعض الأحيان لا يكونوا على كفاءة تؤهلهم لمثل هذه المشاريع، وهذا أمر يترك الباب مفتوحا أمام بعض الأخطاء، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

وأعرب عن أمله أن تبادر الجهات المسؤولة لاتخاذ إجراءات تلزم أصحاب المشاريع بتصديق المخططات من نقابة المهندسين لضمان مطابقتها للمواصفات الهندسية الأساسية.

وحول آليات عمل النقابة فيما تعلق بالمخططات الهندسية للمشاريع الإنشائية قال المهندس زكارنة: تتسلم النقابة المخططات من المكاتب الهندسية، وتعرض على لجنة فنية من النقابة، ويتم التأكد من تحقيق المخططات للشروط الهندسية الضرورية، وفي حال تبين مخالفة المخططات لأية أمور يعاد المخطط لتعديله.

 وشدد على أن كثيرا من الأخطاء تتعلق بالإشراف على التنفيذ، سواء لنقص الخبرة لدى المهندس المشرف من قبل صاحب المشروع، بلدية أو هيئة محلية، أو وزارة، أو خلل في المواصفات يفسح المجال أمام المقاول لعدم الالتزام.

وطالب رئيس لجنة فرع جنين بضرورة التشدد في نتائج الفحوصات المخبرية، وعدم قبول أي فحص غير مطابق، وأن لا يتم الانتقال من مرحلة لأخرى في المشروع إلا بعد تسوية المرحلة السابقة. وأعرب عن أسفه لعدم متابعة بعض المختبرات، خاصة إذا ما تبين عدم التزامها بالقوانين، وإعطاءها نتائج غير دقيقة، سواء بسبب خلل فني في الأداء، أو محاباة للمقاول. وتمنى أن يتم بحث مختلف هذه الأمور من قبل الجهات ذات العلاقة، بهدف النهوض بواقع المشاريع العامة والخاصة.

ومهما حاول أصحاب العلاقة النأي بالذات عن المسؤولية تجاه الخلل البين والواضح في بعض المشاريع العامة، فإن المسؤولية جمعية، كل يتحملها بمقدار ما له من صلاحية، وللخروج من هذا الواقع حبذا لو يصار إلى تطوير آليات عمل، وتحديث الإجراءات بما يتجاوز الأخطاء الكثيرة التي برزت في مراحل سابقة، والتأسيس لمرحلة جديدة أساسها تطوير الأداء، والارتقاء بما ينفذ من مشاريع، وإذا لم يصر إلى ذلك ستعاني الأجيال، وسيأتي وقت يصعب فيها صيانة المئات من المشاريع المفترض أنها تخدم عشرات السنين.