الاقتصاد في إسرائيل.. جيد ولكن؟

هآرتس - سامي بيرتس

الطريقة الجيدة لوصف وضع اقتصاد اسرائيل في السنة السبعين لاستقلالها هي التصور أننا حصلنا على فحص دم هذه الدولة، والآن نحن ننظر الى القيم المختلفة للفحص– على تلك التي تقع داخل الحدود الطبيعية وعلى التي خارجها.

الطبيب الذي كان سيستلم نتائج الفحص كان سيقول للدولة: "اسمعي، وضعك الاقتصادي جيد تماما. نسبة لعمرك، الوضع جيد جدا، لكن هناك عدة امور يجب أن نفحصها، هناك بعض القيم التي تقع خارج المعدل الطبيعي. ليس هذا بالضرورة سيئ، فهناك عدد من القيم من المرغوب فيه أن تكون خارج المعدل الطبيعي، لذلك نحتاج الى اجراء فحص آخر والقيام بالمتابعة من اجل التأكد أنك تعالجين ما يجب علاجه. حسنا، اذا لنبدأ".

في معظم المقاييس المركزية نحن في مجال المعدل الطبيعي، واحيانا في مكان افضل. نحن نتحسن. حتى لو لم نرجع الى الوراء، الى الايام الاولى من عمر الدولة، بل فقط 15 سنة للوراء، عندما كانت اسرائيل توجد في ذروة التغيير الذي حولها من اقتصاد اشتراكي فاشل في الثمانينيات الى اقتصاد متقدم. مثال على ذلك، الانتاج، لقد بلغ في نهاية 2017، 1.26 ترليون شيقل. أعلى بـ 120 في المئة مقابل العام 2002. الناتج للفرد زاد بنسبة اقل بـ 67 في المئة في هذه الفترة ليصل الى 165 ألف شيقل في السنة (41 ألف دولار)، والفجوة متعلقة بحقيقة أن اسرائيل هي ماكينة ولادة، لذلك، الانتاج يتوزع على كثير من الاشخاص. في 2002 بلغ عدد سكان اسرائيل 6.57 مليون نسمة، وفي نهاية 2017 زاد عددهم ليصل الى 8.71 مليون نسمة. اذا نحن جيدون في صناعة الاطفال، لكن ليس فقط في هذا.

في الـ 15 سنة الأخيرة حدث تغيير كبير في نسبة تشغيل الاسرائيليين، من 66.9 في المئة في 2002 الى 77.1 في المئة في 2017. ما الذي أدى بالاسرائيليين الى الاندماج في سوق العمل؟ العصا والجزرة: تقليص المخصصات في بداية العقد السابق، منح العمل (ضريبة دخل سلبية) التي اعطيت لمن اجره منخفض وزيادة أجر الحد الادنى التي حسنت وضع العمال الفقراء. وما الذي مكن الشركات من تشغيل عمال اكثر؟ النمو في الاقتصاد العالمي، انخفاض الفائدة في عملية مستمرة من 2008 (في اعقاب الازمة العالمية)، خفض ضريبة الشركات الذي حسن من ارباحها، وربما ايضا انخفاض اسعار الطاقة، رغم انه لم يكن متواصلا، الارتفاع في معدل نسبة الموظفين بأجور منخفضة ساهم في ان يكون اجر الحد الاعلى ارتفع بنسبة معتدلة تصل الى 39 في المئة من العام 2002. هنا توجد اشارة معينة لمشكلة من المشاكل المركزية للسوق– الفجوة الكبيرة بين 2– 3 اقتصادات تعمل هنا، ويبدو أن العلاقة بينها ضعيفة: اقتصاد الهاي تيك والتصدير، اقتصاد القطاع العام والقطاع التجاري المحلي واقتصاد الفقراء (عمال شركات القوة البشرية، عمال المقاولين، الحاصلين على أجر الحد الادنى والعاطلين عن العمل).

مشاكل الاقتصاد الاسرائيلي معروفة. فجوة كبيرة بين السكان، معدلات فقر مرتفعة، انتاجية منخفضة وارتفاع مستوى المعيشة. المكان الذي توجد فيه اسرائيل خارج المعدل الطبيعي وبصورة سيئة هو بالطبع نسبة الفقر المرتفعة. صحيح أنه بارز في اوساط الحريديين والعرب، لكن ايضا بدونهم اسرائيل بارزة جدا كدولة ذات معدلات فقر عالية بالنسبة لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ""OECD. الحكومات على مختلف اجيالها تتحمل وزر هذا الوضع، لكن ليست هي فقط. هناك اسباب كثيرة لمعدلات الفقر العالية، وعلى الاقل في المجتمع الحريدي جزء من الفقر مصدره اختياري. اختيار مسارا تعليميا ليس فيه المناهج الاساسية والامتناع عن الخدمة العسكرية وعن العمل، ألقت بالمجتمع الحريدي على مدى سنوات في احضان الفقر المدقع. هذا الأمر بالامكان، بل يجب، اصلاحه. في السنوات الاخيرة زادت معدلات التشغيل للحريديين، لكنها ما زالت منخفضة مقارنة مع باقي السكان. إن دمج النساء الحريديات في سوق العمل أعلى، لكن رغم أن عددا منهن يندمج في مجال البرمجة المجزي ظاهريا، إلا أن الاجر الابتدائي لهن منخفض جدا بسبب ضغوط خاصة تتعلق بالقرب من مكان السكن وبسبب غياب الثقافة ذات الصلة.

ايضا في المجتمع العربي هناك مشكلة فقر صعبة، وهناك الموانع هنا هي موانع ثقافية. نتائج كثير من الطلاب في جهاز التعليم منخفضة مقارنة مع المجتمع اليهودي، وهذا يؤثر في نهاية الامر على القدرة في الحصول على الأجر. المجموعتان السكانيتان، الحريديون وبالأساس العرب، لا تخدمان في الجيش الاسرائيلي، وكذلك يوجد لهذا تداعيات على معدل الفقر المرتفع لأن الخدمة العسكرية توفر التأهيل المهني واندماج في الشبكة ومحفزات مختلفة توفر لمن يخدم نقاط بداية افضل في سوق العمل.

الفقر لا يسري فقط على هاتين المجموعتين، ايضا كبار السن والعائلات وحيدة الوالدين تعاني من معدلات فقر مرتفعة، ويمكن لكل هؤلاء أن نضيف مئات آلاف الاسرائيليين غير الفقراء حسب التعريف الاحصائي، لكن دخلهم قريب جدا من خط الفقر. هذا هو المكان الذي تجد فيه نفسها خارج المعدل الطبيعي، وعليها أن تضع اهدافا طموحة لتقليص الفقر. عدد منها مرتبط جدا بجهاز التعليم وجزء بالخدمة العسكرية وجزء بالتأهيل المهني وسوق العمل. الفقر هو مشكلة صعبة، لكن الامكانية الكامنة للاصلاح كبيرة. اذا كان هناك مشروع وطني حيوي بشكل خاص في السنوات القادمة فهذا هو المشروع. هذا لا يمكن أن يطبق في اطار "لجنة" تلقي ببضعة شواقل للفقراء، بل فقط بمعالجة واسعة تشمل كل اجهزة الحياة المركزية – التعليم والبنى التحتية والصحة والرفاه.

هناك ايضا عدد من الأماكن اسرائيل توجد فيها خارج المعدل الطبيعي وهذه المرة لصالحها: نسبة العاملين في الهاي تيك، نسبة ما يتم انفاقه على الابحاث والتطوير، ونسبة الاستثمار في صناديق الاعتماد. في كل هذه اسرائيل رائدة في دول الـ OECD. المعايير الثلاثة تصف نفس الظاهرة: زيادة نصيب الصناعات المتطورة في اقتصاد اسرائيل مقارنة مع دول العالم. هذا هو الجانب الثاني للاقتصاد الاسرائيلي– الجانب الذي يرتكز على الحداثة والمبادرة والاجر المرتفع والمنافسة. كل ذلك في الساحة العالمية التنافسية.

إن بروز اسرائيل في عوالم الهاي تيك تحسن جدا عدد من المعطيات الاساسية في الحسابات الوطنية: التصدير، الاستثمار الاجنبي، انتاج عالي للفرد، انتاجية ومبادرة. هذه المعطيات مفرحة لكنها ايضا مقلقة، مفرحة لانه من الجيد ان تكون في جبهة التكنولوجيا وبناء المستقبل الانساني، لكنها مقلقة لأنه فقط جزء بسيط من السكان في اسرائيل يشارك في هذه السوق.

في الصناعات التي تعمل بالاقتصاد المحلي، الانتاجية منخفضة والمنافسة قليلة. وهذا يظهر في ارتفاع مستوى المعيشة. الأجر في الشركات التي تعمل في السوق المحلية يتميز باختلافات عالية: حيث يكون هناك احتكار وشركات حكومية السعر عال والامان التشغيلي عال (شركة الكهرباء والبنوك والموانيء) ولكن في مجالات تنافسية اكثر مثل الغذاء والتجارة الاجر منخفض اكثر ولا يوجد فيها امان تشغيلي، ايضا في الهاي تيك لا يوجد امن تشغيلي، لكن لأن هذه صناعة تقوم على الحداثة والمبادرة وعدد المشاريع هنا كبير– الفرص التشغيلية عالية.

وضع اسرائيل الجيد في المعايير المركزية مثل البطالة والنمو والتضخم وعلاقات الدين– الانتاج (انخفاض من 90 في المئة الى 60 في المئة خلال 15 سنة في حين انه في دول غربية كثيرة هذه النسبة ارتفعت) هو امر مشجع وسار، لكن هذه هي الزهرة أما شوكتها فهي: في وضع كهذا يصعب خلق شعور بالدافعية لمعالجة مشاكل اخرى ستظهر في الازمات الاقتصادية القادمة.

يمكن بالطبع القول إنه يجب النظر فقط الى الجسور الكبيرة التي توجد على مفترقات الطرق وتجاهل الاختناقات المرورية، لكن هذا لا يؤدي الى أي مكان. رئيس الحكومة يعرف جيدا أن هناك اختناقات مهددة في غوش دان وأن انتاجيتنا منخفضة جدا وأنه يوجد هنا بيرقراطية تدمر المشاريع الاقتصادية وان هناك ضرورة لاصلاحات من اجل خفض مستوى المعيشة وأن هناك فجوات كبيرة بين الاقتصادين الموجودين هنا الواحد الى جانب الآخر وأن هناك حاجة ملحة لتقليص معدل الفقر، وكل ذلك هو المفتاح للحصول على شهادة علامات فاخرة في السنة الثمانين والتسعين للدولة. اذا كان هناك شيء مطلوب لدولة اسرائيل في سنتها السبعين فهو أن تقرر أنه يجب عليها عدم انتظار الازمة القادمة من اجل اصلاح القيم السلبية التي تفحص في فحص الدم. وأن تقدم لها ردا سريعا.