الحجر المستورد.. هل يطيح بذهب فلسطين الأبيض؟

الحياة الجديدة- ساري جرادات- يجلس التاجر إسماعيل الوراسنة، وهو صاحب مصنع لإنتاج الحجر والرخام شرقي محافظة الخليل، محبطا، ليس من طبيعة المهنة الشاقة، وانما لما حل بمصنعه نتيجة إغراق السوق بالحجر المستورد.

يقول الوراسنة: يستولي الحجر المستورد على قوتنا اليومي، وأدى بصناعة الحجر والرخام المحلي للتراجع، فلا يعقل سماح وزارة الاقتصاد الوطني، واتحاد الحجر والرخام والغرف التجارية باستيراد كميات كبيرة من الحجر الى أسواقنا المحلية".

يؤكد الوراسنة الذي يعمل في هذه المهنة منذ 43 عاماً، تقليص ساعات عمل مصنعه من 18 ساعة يوميا إلى 8 ساعات، وتسريحه لـ 13 عاملاً، جراء انخفاض طلب السوق المحلي على منتجات مصنعه، مطالباً في حديث مع "حياة وسوق" جهات الاختصاص بإخضاع المستورد للمواصفات والمقاييس الفلسطينية.

ويتميز الحجر الفلسطيني بنسبة عالية من امتصاص الماء، ومقاومة الضغط في الحالتين الجافة والرطبة، والقدرة على مقاومة التآكل والتزحلق والثني والتمدد الحراري والصلادة، وهي مواصفات لا يحملها الحجر المستورد، يضاف للمستورد أنه مصنع من حجر الحور، وقابل لتغيير لونه في غضون عامين.  

ويؤكد رئيس قسم المصادر الطبيعية في وزارة الاقتصاد الوطني عبد الحفيظ الأشهب لـ "الحياة الجديدة" أن الاتفاقيات الدولية التي وقعتها السلطة الفلسطينية تحد من مراقبة السلع المتدفقة إلى أسواقها، بسبب غياب سيطرة السلطة على المعابر، وهو ما يفاقم من مشاكل العديد من القطاعات التجارية في السوق المحلية.

وأشار الأشهب إلى أن الاستعانة بالحجر المستورد في عملية البناء تتم في مدن شمال الضفة، وأن قربها من المدن المحتلة عام 1984، مكن التجار من سهولة إيصال حجرهم إليها، رغم الإجراءات الوقائية وانتشار دوريات الدوائر التابعة للوزارة لمنع وصوله، داعياً المواطنين الى الانتباه إلى جودة الحجر المحلي ومقارنته بالمستورد.

يطال شبح الحجر المستورد قطاع الحجر والرخام، ويعصف بالعديد من المصانع المحلية، ويؤكد تجار وأصحاب مصانع لـ "الحياة الجديدة"، أن هناك انخفاضا ملموسا على مبيعاتهم، وأن الأزمة طالت الأيدي العاملة، التي تعمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر مثل "الدقيقة"، في قطاع الحجر والرخام المحلي.

ويعمل لؤي عيايدة (38 عاماً) منذ 23 عاماً في دق الحجر وتزيينه، يؤكد أن الحجر المستورد ذو مواصفات سيئة للغاية، وأدى إلى تراجع إنتاجه اليومي، جراء غزو كميات كبيرة من المستورد الأسواق المحلية، مطالباً جهات الاختصاص بوقف التردي الحاصل في قطاع الحجر والرخام والعمل على تمتين الأسواق المحلية.

ويعمل قرابة 20 ألف مواطن بشكل مباشر في نحو 1300 منشأة لصناعة الحجر في جنوب الضفة، ويتراوح سعر متر الحجر المصنع محلياً من (60 إلى 140 شيقلا)، بينما يبلغ سعر الحجر المستورد من (40 إلى 60 شيقلا)، وفق حديث رئيس الهيئة الإدارية لاتحاد الحجر والرخام في الخليل نور الدين جرادات لمراسلنا.

وأضاف جرادات "بدأت صناعة الحجر والرخام في فلسطين كنشاط اقتصادي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بأدوات يدوية، ثم دخلت إليها الماكينة في الثمانينيات، حتى أصبحت تشكل اليوم 4.5% من الناتج الإجمالي المحلي، بمردود يقدر بنحو 450 مليون دولار سنوياً، ويستثمر فيها ما يزيد على 700 مليون دولار سنويًا".

ولفت جرادات الذي يشغل أيضاً منصب رئيس غرفة تجارة وصناعة وزراعة شمال الخليل إلى توجيه غرفته واتحاد الحجر والرخام رسائل عدة إلى مجلس الوزراء ووزارة الاقتصاد الوطني تدعوها فيها إلى العمل على وقف استيراد الحجر، والإسراع في تنفيذ تعهداتها لحماية قطاع الحجر والرخام من الانهيار.

تسيطر سلطات الاحتلال الإسرائيلي على جميع المعابر ومنافذ المدن الفلسطينية وشوارعها الرئيسية وتفرعاتها، وتساعد بوابات مستوطناتها مهربي الممنوعات على إدخال بضائعهم إلى مدن الضفة، ويؤكد اتحاد الحجر والرخام لـ "حياة وسوق"، استعانة تجار الحجر المصري المستورد بممرات غير قانونية لإدخال بضائعهم.

حاولت "الحياة الجديدة"، زيارة خمسة من مستوردي الحجر والرخام من مناطق متعددة من الضفة، لكنهم رفضوا لقاء مراسلنا، ونفوا أنهم يعملون في استيراد الحجر والرخام، الأمر الذي يؤكد استيرادهم للحجر بطريقة غير قانونية، خاصة المصري منه، كونه يعد الأكثر رداءة، والأخطر على المنشآت المحلية.

وتبقى للحجر المصنع محلياً رمزيته الدينية والتاريخية ومواصفاته العالمية، ويسمى عالمياً حجر الأرض المقدسة، وهو حجر يلائم جميع عمليات البناء لتنوع ألوانه وتعدد صفاته، ويتم تصديره إلى العديد من مختلف دول العالم، ويشكل رافداً وداعماً أساسياً في بناء الاقتصاد الوطني وتشغيل الأيدي العاملة.