هجوم رمزي حذر لرفع العتب

يديعوت – اليكس فيشمان

الجد ترامب أعد عصيدة بنكهة كيماوية كي يشبع الاوروبيين ويشبع نفسه أساسا. بل انه نجح في أن يغيظ جدا باقي النابشين في المطبخ السوري. فمن سيبقى مع المطبخ السوري "القذر" (بقتل الشعب، السلاح الكيماوي، الارهاب، الايرانيين على الجدار) بعد أن شبع الأميركيون، نهضوا وانصرفوا؟ اسرائيل.

وعليه، فمن ناحية اسرائيل لم يحصل فجر أمس (الأول) أي شيء يمكنه أن يحسن وضعها الاستراتيجي. اسرائيل بقيت في ذات الخانة من المواجهة المتصاعدة مع ايران. فضلا عن ذلك، فان الرئيس الأسد لم يضعف في أعقاب الهجوم الجوي الأميركي - البريطاني – الفرنسي. بل العكس: فالهجوم عظم فقط الالتزام الروسي بنظام الأسد، وقد بات الروس يتحدثون اليوم عن بيع منظومات مضادة للطائرات متطورة لسوريا من طراز "اس 300" وربما ايضا "اس 400" ما من شأنه أن يصعد الحال على سلاح الجو العمل في اعماق سوريا. يمكن للاسد أن يسمح لنفسه بالتجرؤ اكثر، إذ ان السلوك الروسي في الازمة الاخيرة أوضحت له بان الروس سيحمونه في كل ورطة.

لقد كان مبرر القصف استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، والذي تسبب بموت 40 عديم للوسيلة، بمن فيهم من اطفال. وعصف الراي العام في الغرب. ولم يكن بوسع الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا السماح لأنفسهم بالتجلد. يا لها من ازدواجية. فالسوريون "استخدموا السلاح الكيماوي" ضد السكان ست مرات على الاقل منذ هاجمت ادارة ترامب، قبل نحو سنة، قاعدة جوية سورية "انطلقت منها طائرات هاجمت المدنيين بالسلاح الكيماوي". غير أنه لم تكن لهذه الاحداث ما تكفي من العلاقات العامة مثلما للضحايا الذين التقطت صورهم في دوما. لم تكن هنا رغبة في تغيير الوضع، اسقاط الأسد او على الاقل المس المكثف بالحكم السوري "الشرير". كان هذا عقابا رمزيا، حذرا، دون أخذ أي مخاطرة من شأنها أن تخلق مواجهة مع الروس.

قبل ثلاثة ايام من الهجوم هدد الروس الولايات المتحدة – بشكل استفزازي غير مسبوق، بانهم سيضربون ليس فقط الصواريخ التي ستطلق نحو سوريا، بل وايضا الطائرات والمسيرات التي تطلق هذه الصواريخ. في حينه قدر الروس بان الولايات المتحدة لا تعتزم ان تنفذ حقا أي عمل ذي مغزى. وبالفعل، لم تتجه الى المنطقة أي حاملة طائرات اميركية ما كان يمكنه ان يؤشر على النية للخروج في حملة طويلة المدى مع الكثير جدا من الاهداف. حاملة الطائرات هاري ترومان، التي انطلقت الى المنطقة من فيرجينيا في 11 نيسان، لن تصل هنا، هذا اذا وصلت، الا في منتصف الاسبوع.

لقد أعد الأميركيون خطة هجوم ليست معقدة جدا. وحسب دائرة العمليات في الجيش الروسي في سوريا فقد هوجمت منشآت في ستة مطارات، وهدفان آخران: منشأة "سيرس" في منطقة البرزة في جمراية، وقاعدة عسكرية في القسوة، وكلتاهما قرب دمشق. كل هذه الاهداف هي "اهداف رقيقة" – مخازن ومختبرات لانتاج المواد الكيماوية. وكانت النية لتجاوز منظومات الدفاع الروسية واستخدام الذخيرة الدقيقة للمدى البعيد، ولا سيما صواريخ تومهوك، والتي ليس لها قدرة على اخراج مسارات الطيران عن الاستخدام او اختراق خنادق محصنة. والقسم الاكثر إثارة للاهتمام في هذا الهجوم ليس هو الجانب العسكري بل الجانب الدبلوماسي: كانت هذه هي المرة الاولى منذ سنوات بعيدة عملت فيها هذه الدول الثلاثة معا وليس ضد داعش.

كانت اللعبة مباعة. وزيرة الدفاع الفرنسية اعترفت علنا بان الروس تلقوا بلاغا مسبقا بالهجوم. وكذا اسرائيل وتركيا وفي واقع الامر كل من يتواجد في سوريا اطلع بشكل مباشر أو غير مباشر. والمصابون والضرر – بناء على ذلك. لا غرو أن البيان الاول الذي صدر عن وزارة الدفاع الروسية، فور الهجوم كان ان روسيا لم تستخدم منظوماتها للدفاع الجوي، مثلما هددت، وذلك لان الصواريخ الجوالة الأميركية حتى لم تدخل المجال الجوي للمنظومات الروسية. لقد كان الأميركيون حذرون جدا لدرجة أن "منشأة الانتاج والتخزين للمواد الكيماوية" في اللاذقية لم تهاجم، وذلك لان الروس يتواجدون في المحيط. والنتيجة هي مستوى متدن للغاية لاي عملية محدودة يمكن تصورها. فالخطابية العالية لترامب تتناسب تناسبا عكسيا مع الضرر الحقيقي الذي حققه هذا الهجوم. واذا لم يكن هذا بكاف، فان وزارة الدفاع الأميركية نشرت بيانا معيبا: بان الحديث يدور عن هجوم لمرة واحدة. والمعنى هو أنه حتى اذا لم تكن الأهداف قد دمرت – وقسم لا بأس به من الصواريخ الجوالة، اعترضت – ليس للاميركيين نية للعودة لمهاجمة هذه المواقع. النتائج لا تعنيهم. كان هذا هجوما لرفع العتب.

وكأنه من أجل الايضاح بأننا عالقون في ذات الخانة الاستراتيجية، نشر الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي عشية الهجوم الأميركي بيانا غريبا قيل فيه ان الطائرة المسيرة الايرانية التي اسقطت في 10 شباط كانت مسلحة. فجأة اغلقت دائرة. وعندما اسقطت الطائرة المسيرة لم يكن واضحا ما هو الانفعال ولماذا كان ينبغي لاسرائيل أن تدفع الثمن بطائرة اف 16 كي تتصدى لظاهرة سبق أن شهدنا مثلها من قبل. فما هو الضجيج حول هذه الطائرة المسيرة بالذات، التي تدهورنا الى مواجهة مباشرة مع ايران؟ يتبين الآن أن الطائرة المسيرة المسلحة كانت ستتفجر على هدف معين في اسرائيل، للايضاح لها بالقطع بان الايرانيين لا يقبلون قواعد اللعب التي تمليها في سوريا. الطائرة المسيرة المسلحة الايرانية كانت ردا وتهديدا على قصف المنشآت الايرانية في سوريا، مثل ذاك المعسكر المعروف في أنه يستوعب متطوعين مؤيدين لايران او المصنع لانتاج الصواريخ الدقيقة. الطائرة المسلحة كانت الطليعة في عقيدة قتال ايرانية جديدة، ستتضمن الى جانب الصواريخ الدقيقة طائرات مسيرة عنيفة ايضا هي في واقع الامر صواريخ جوالة. ولما كانت قاعدة الطائرات المسيرة العنيفة اقيمت في مطار "تي 4"، فانه اصبح ظاهرا هدفا مشروعا من ناحية اسرائيل، مثل المصانع لانتاج السلاح الدقيقة ومثل تهريبات السلاح الى لبنان.

والان، يستعدون في اسرائيل لامكانية أن يحدد الايرانيون التهديد للانتقام من موت سبعة مشغلي الطائرات المسيرة الذين قتلوا يوم الاحد الماضي في "تي فور". في هذا الاطار يمكن للمبعوثين الايرانيين مثلا ان يطلقوا صواريخ كورنت لمدى 5 كيلو مترات من الحدود السورية أو اللبنانية مع اسرائيل وضرب مركبات للجيش الاسرائيلي أو اطلاق طائرة مسيرة مسلحة اخرى تضرب هدفا عسكريا ما، او مقذووفة صاروخية، أو صاروخ ارض – ارض. كل حدث كهذا، كما تحذر أوساط جهاز الأمن، سيرد عليه بشدة. اما الحرب الشاملة فستكون خلاصة كمية المصابين في اسرائيل.