الصداقة في زمن الاحتلال..!

أنس الصيفي (يمينا) مع الشهيد رائد الصالحي

بيت لحم- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- وصل الأسير المحرر أنس خالد الصيفي (22) عاما، إلى منزله في حارة الولجية في مخيم الدهيشة، محمولاً على الأكتاف، رافعا إشارة النصر، في مشهد أضحى تقليديا لأسرى تحرروا من سجون الاحتلال، ولكنها مشاهد تثير دائما المشاعر.

كان والده خالد الصيفي، وهو ناشط مجتمعي وأفراد عائلته، ينتظرون (ميدو) كما هو معروف بين عائلته وأصدقائه، عندما أطل عليهم في الزقاق المؤدي إلى شارع فرعي أمام المنزل، جهز لاستقبال المهنئين، محاولا الحفاظ على توازنه ضابطه على إيقاع الشاب الذي تطوع لحمله على الكتفين.

وصول ميدو إلى منزله، لم تكن محطته الأولى في رحلة الحرية، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال، بعد قضائه ثمانية شهور، فأصدقاؤه، نظموا له استقبالات في محطات مختلفة، ولكن أهم محطة كانت ذهابه إلى مقبرة الشهداء في قرية ارطاس المجاورة لمخيم الدهيشة، ليزور قبر صديقه رائد الصالحي، ويلقي التحية على صديق الشوارع والازقة، وحلم السفر إلى فرنسا.

ارتبط ميدو ورائد بعلاقة صداقة وثيقة، وعندما اعتقل ميدو، قبل ثمانية أشهر وحوِّل إلى مركز تحقيق "بيتح تكفا" الإسرائيلي، وجد رائد نفسه يفقد نصف الثاني.

صديقهما المشترك أحمد صالح، قال  انه عندما اعتقل ميدو في الحادي والثلاثين من شهر تموز 2017م، التقى رائد، وصديقا ثالثا، وتوجهوا إلى منزل ميدو، ولكنهم لم يجدوا أحدا هناك، فذهبوا إلى مدخل المخيم ليلتقوا أيمن شقيق ميدو: "ضحكنا عليه لأن الاحتلال احتجز هاتفه، لقد كان في صباح اليوم التالي موعد سفر أنس إلى فرنسا لكن بوسطة السجن قد سبقته إلى تحقيق حلمه في السفر إلى بيتح تكفا".

كان رائد هو الآخر مطلوبا لمخابرات الاحتلال، وكان ينام خارج منزله، على شجرة، ولكن في التاسع من شهر آب 2017م، نام في المنزل، الذي داهمته قوات الاحتلال، وأطلقت النار عليه، فأصيب إصابة خطرة بسبع رصاصات، استشهد على إثرها لاحقا، وأكد أصدقاء الشهيد، بان صديقهم ذهب ضحية خطة للاحتلال لاغتياله.

أثّر اغتيال رائد كثيرا في ناس المخيم، بينما كان ميدو يتابع أخبار صديقه الجريح ثم الشهيد، من داخل سجنه، ويتألم بصمت.

يقول خالد الصيفي والد ميدو: "الحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون هي ان رائد أقرب إلى قلبي من ابني انس، وهذا يتناقض مع كل نظريات علم الفسيولوجيا والجينات، والأرجح والأصوب هنا، هو صوابية وأرجحية علم العواطف والمشاعر وكيمياء الفكرة".

خلال انتظار عودة ميدو إلى منزله، لم تكف والدته من القدوم إلى مدخل المنزل، وتنظر بلهفة، وكأنها تستعجل وصوله، ودائما بجانبها امرأة أخرى مجللة بالسواد، تنظر بعينين فقدا بريقهما، وكأنها تنتظر حدثا قدريا، إنها والدة رائد، التي فقدت ابنها، وتنتظر صديقه الذي تعتبره ابنها الثاني.

وكان خالد الصيفي، الذي يستطيع مراقبتهما وهو جالس على كرسي في الشارع الذي ينتهي إلى منزله، يعبر عن حزنه على والدة رائد، مبديا تعاطفه مع أمهات الأسرى والجرحى والشهداء، اللواتي يتجرعن أكثر من أي شخص آخر مرارة الفقد، واسى الألم.

مع تقدم الليل في المخيم، ونزول ميدو عن كتفي صديقه، أحاط به جمع رجولي محتفيا به، ولم يتمكن إلا بعد حين من الدخول إلى المنزل ليلتقي والدتيه، البيولوجية، ووالدة رفيقه الأعز الشهيد رائد.