قشة الحكومة.. هل ستمنع غرق مصانع الأحذية؟

الحياة الجديدة- وسام الشويكي- أطلقت وزيرة الاقتصاد الوطني برنامجا، بقيمة نصف مليون يورو، لتطوير قطاع صناعة الأحذية في الخليل، في وقت يمر به هذا القطاع "أسوء" فترة عبر تاريخه؛ إذ يواجه تراجعا في حجم مبيعاتهم من المنتجات المصنعة محليا، بسبب "غزو المستورد"، الامر الذي قلص حجم الاستثمار في هذا القطاع، وتراجعت قدراته التشغيلية إلى حد كبير.

وأمام هذا الواقع "المتردي" لقطاع الأحذية المصنعة محليا، جاء هذا الإعلان من وزيرة الاقتصاد عبير عودة، أملا في تحسين واقع المنشآت الصناعية العاملة فيه، وهو برنامج مدعوم من الوكالة الايطالية للتنمية، بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "اليونيدو"، في وقت يتساءل البعض من المهتمين والمختصين والعاملين في هذا القطاع، عن جدية هذا المشروع أو البرنامج في تقديم ما يمكن أن يحمي قطاع الأحذية من التدهور ويساعده على استعادة عافيته، ويعمل على حمايته داخل السوق المحلي ويعزز له فرص البقاء.

ويصف رئيس التجمع العنقودي لصناعة الأحذية، وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات الجلدية، طارق ابو الفيلات، في حديث لـ"الحياة الجديدة"، هذا المشروع بأنه يقدم خدمات "رعاية" ولا يقدم إجراءات "حماية" لهذا القطاع، الذي يعد أحد أعمدة الاقتصاد في محافظة الخليل خاصة، والوطن عموما.

ورغم ترحيبه بهذا المشروع على اعتبار أنه يتجاوب ومطالب تطوير قطاع الصناعة الجلدية والأحذية على وجه الخصوص، ويمكن أن يغير من واقع هذه الصناعة خلال السنوات المقبلة، إلا أن ابو الفيلات يعتبر أن المطلب المُلح في ظل ما يعانيه هذا القطاع من تدهور، هو تدخل حكومي لضبط الأسواق وتقنين الاستيراد وحماية الصناعية المحلية.

وأضاف ابو الفيلات: "هذا البرنامج ليس ما نريده الآن، وليس ما نطلبه، ولكننا لا نرفضه.. المطلب هو أن تصب الجهود في التمكين داخل السوق المحلي ومنع اندثار هذه الصناعة".

وتابع: "إن هذا البرنامج جيد، لكنه لا يضمن لنا البقاء والاستمرار، ولا نريد أن ننشغل بمشاريع الرعاية ونهمل الحماية، ونخشى أن نقول إن العملية نجحت لكن المريض قد مات !".

فالقطاع الصناعي، أولى أولياته اليوم- حسب ابو الفيلات- تقديم الحماية له قبل الرعاية، وتنظيم الاستيراد قبل محاولات التصدير، والعمل على توفير الضمان للمنتجات المحلية من الأحذية في أن يكون لها النصيب الوافر داخل السوق المحلي، قبل الشروع بالنظر إلى الأسواق الخارجية البعيدة.

كل ما يطمح إليه ابو الفيلات، رئيس التجمع العنقودي لصناع الأحذية، في الوقت الراهن، وما يمكن أن يشكل دعوة إلى المؤسسات الرسمية والحكومة، بأن تضمن للأحذية المصنعة محليا ما نسبته 50% من حصتها في السوق المحلي، على أقل تقدير.

ويسعى هذا البرنامج الذي أعلنته وزارة الاقتصاد الوطني، ووفق ما يبين لـ "الحياة الجديدة" المهندس مهيب الجعبري، مدير الصناعية والتجارة في مديرية الاقتصاد الوطني بالخليل، إلى تحسين وتطوير قدرات المنشآت الصناعية العاملة في قطاع الأحذية، وتمكينها من رفع قدرة المنتج المحلي على التنافس، بما يعزز وجودها داخل السوق المحلي، ويمكنها من الوصول الى الأسواق الخارجية.

وأضاف: أن هذا المشروع الذي بدأ فكرة منذ سنوات، وتبلور كي يصبح مشروعا واقعا وأشمل، ويتخلله توفير الدعم بالآليات والمعدات والمدربين والعمل على تطوير المهارات للعاملين في هذا القطاع، يرمي إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة، لتعزيز المنشآت الفلسطينية على التنافسية، ومن ثم تعزيز التواجد لهذا المنتج بما يلبي حاجات ورغبات المستهلكين بمواصفات جودة عالية.

واعتبر المهندس الجعبري، أن فعالية هذا المشروع أو البرنامج تتمثل في تعزيز القدرات الداخلية والتنافسية لهذا القطاع، لمنافسة المستورد من الأحذية ومضاهاته في أشكاله وألوانه، وفي جودته، وبالتالي يجب أن يكون القطاع لديه استجابة سريعة لهذه المتغيرات العالمية، ومواكبة التطورات التكنولوجية التي تخدم هذا القطاع، وزيادة قدرة المصنعين على منافسة المستورد.

ويقول رئيس التجمع العنقودي، أبو الفيلات: إن حصة الصناعية المحلية حاليا، خاصة بعد دخول البضائع التركية، في أدنى مستوى لها، خاصة بعدما أصبح الاستيراد هو الممارسة الأسهل في الاقتصاد الوطني، كاشفا أن حصة المنتج من الأحذية داخل السوق المحلي "تكاد تكون معدومة، ولم يمر أسوء من هذه الحالة على صناعة الأحذية".

ويطالب ابو الفيلات وزارة الاقتصاد بالتعاون مع وزارة المالية، بتطبيق قرارات حماية الصناعة التي صدرت عام 2013، والتي تضمنت فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة تصل إلى 30% بعد إعادة تخمين هذه البضاعة، معبرا عن خشيته– حول أثر أو ثمرة برنامج الدعم الأخير- من "ألا نعيش حتى نستفيد من هذه المشاريع" أو "أنك لا تجد بعد السنوات التي سينفذ خلالها هذا البرنامج، إلا القلة القليلة التي تعمل في هذا القطاع"!.

ويؤكد المهندس الجعبري، مدير الصناعة في مديرية الاقتصاد، أن الوزارة اتخذت العديد من الإجراءات الحمائية، ومنها تنفيذ التعليمات الفنية الإلزامية، التي تهدف الى حماية سلامة وصحة وأمن المستهلك، وهي الآن بصدد إصدار تعليمات فنية يجري العمل على إعدادها والزام البضائع المستوردة كافة، بها، بما في ذلك بضائع الأحذية.

وأضاف: "هذه التعليمات سترفع من جودة البضائع المستوردة، وتجعل البضائع قليلة الجودة تختفي، ما يعطي المنتج المحلي ذات الجودة الأعلى فرصة أعلى في السوق".

من المرتقب، وخلال أشهر قليلة مقبلة، أن يباشر مختبر قياس المواصفات، الذي أنشئ بالتعاون ما بين التجمع العنقودي وجامعة بوليتكنك فلسطين والغرفة التجارية والصناعية واتحاد الصناعات الجلدية ووزارة الاقتصاد، مهامه في اختبار جودة الأحذية، الأمر الذي يضمن أن 90% من بضائع الصين ستختفي؛ لأن النسبة العظمى منها متدنية الجودة، بحسب ابو الفيلات. ويعود ليؤكد أن ميزان الجودة لصالحنا، كمنتج وطني محلي، وإذا ما تم استيراد بضاعة ذات مواصفات عالية وترقى للمطلوب سيكون سعرها مرتفعا.

والتجمع العنقودي لصناعة الأحذية، أنشئ قبل نحو خمس سنوات، ويضم في عضويته العاملين في صناعة الجلود والأحذية ومدابغ الجلود، وهو مشروع يقدم خدمات مرهونة بوجود الدعم، واستطاع أن يحقق انجازات على صعيد قطاع الأحذية، من أهمها التعاون في إنشاء مركز التطوير والإبداع الذي يضم مختبر قياس الجودة في جامعة البوليتكنك، وافتتاح متجر شغل الخليل، وتخريج العشرات من الدورات واستقدام الخبراء وتأهيل شركات وعاملين في هذا القطاع، ومساعدتها على الحصول على شهادة المواصفات "الايزو"، الى جانب إطلاق موقع التسويق الالكتروني.

ويعود ابو الفيلات ليؤكد، أن مهمة حماية صناعة الأحذية المحلية، مسؤولية جماعية تتشابك فيها المصانع والمستهلك والحكومة، على حد سواء؛ بحيث يقدم الأول أفضل سلعة بأفضل سعر، والثاني بأن يقتنع أن شراء المنتج الفلسطيني واجب وليس تفضيلا، أمل الثالثة فعليها أن تتدخل وتضع بعض القوانين.

وشهد العام الماضي 2017 أصعب السنوات التي يمر بها قطاع الأحذية، وانخفضت الإنتاجية المحلية بنسبة فاقت 60%، ساهم في زيادة هذه النسبة فقدان سوقين في قطاع الأحذية هما سوق قطاع غزة و"السوق الإسرائيلي". كما انخفضت ساعات العمل خلال العام الماضي داخل مصانع الأحذية من 12 ساعة عمل الى 8 ساعات تقريبا.

ويعزو رئيس اتحاد الصناعات الجلدية، حسام الزغل" صعوبة الوضع في قطاع صناعة الأحذية" إلى عدة عوامل من أبرزها الاستيراد من الخارج، ودخول الأسواق التركية على خط الصناعة الفلسطينية لتشابه الموديلات والجودة لكثير من المنتجات المحلية، ساهم في ذلك تلاعب بعض التجار بالقيمة الحقيقية للمنتج المستورد، فكانت أسعارها أقل من الأسعار المحلية. إلى جانب الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة الذ اغلق سوقها الذي كان يشكل ما نسبته 40% من سوق صناعة الأحذية، ما انعكس سلبا على كثير من المشاغل والمصانع. بالإضافة الى رجوع الشيكات وكثرة الديون؛ ما أفقد الثقة في السوق.

ويقول الزغل: بحسب إحصائية وزارة المالية حول استيراد الأحذية من الخارج عام 2016، إنه تم استيراد 17 مليونا و800 الف زوج من الأحذية، فيما انخفض إنتاج الحذاء المحلي إلى نحو 4 ملايين زوج. ولفت إلى قيمة سعر زوج الحذاء التي تتعدى 70 سنتا وذلك بسبب تهرب التجار عن الأسعار الحقيقية وعدم مراقبة السلطة الوطنية لهذه الأسعار ما أدى الى خلق منافسة صعبة مع المنتج الأجنبي.

ويطالب رئيس الاتحاد، الزغل، الحكومة باتخاذ إجراءات حازمة بخصوص البضائع المستوردة للحفاظ على ما تبقى من الصناعة المحلية التاريخية التي اشتهرت بها فلسطين، وخصوصا الخليل، الى جانب اتخاذ جملة اجراءات وقرارات من شانها أن تعزز المنتج المحلي داخل السوق المحلي، كأن يكون الحذاء العسكري من الصناعة الوطنية، ورفع مدخلات الحذاء حتى تصل الى نسبة 60% وتمكين صناعته محليا فقط وعدم دخول المنافس الأجنبي لهذه العطاءات.