عمر عبد الهادي.. ​أجبرته ظروفه الاقتصادية على بيع ورشته لأصحاب الخردة!

حياة وسوق- سهاد الربايعة- "كل قطعة في الورشة جزء مني، والتخلي عنها انتزاع لروحي غصبا، لكني مجبر على ذلك بسبب الظروف".

عمر عبد الهادي (53عاما) من دير البلح وسط قطاع غزة تكالبت عليه غصة الحروف وأحرقت قلبه ليتحدث بمرارة عن بيع ورشته وكل ما فيها لأصحاب الخردة بسبب سوء وضعه الاقتصادي وعدم قدرته على تشغيلها.

تعابير الألم بانت على وجهه، وغرغرة عينيه عند الحديث عن ورشة التبريد والتكييف الخاصة به واضحة، وبدأت ملامح الابتسامة الممزوجة بالوجع والحسرة ترتسم على شفتيه حينما تذكر كيف بدأ عمله صغيرا بعد أن تخرج من كلية الصناعة "فني تبريد وتكييف" واحترف المهنة عام 1982 وافتتح ورشة صغيرة في بادئ الأمر، موضحا أن العمل كان مزدهرا والحياة جميلة، فكان يستورد الثلاجات من داخل الخط الأخضر ويبيعها في القطاع، إضافة إلى تركيبه وتصليحه لأدوات كهربائية وأجهزة تكييف للمواطنين، مشيرا إلى أن العمل كان مربحا، استطاع من خلاله أن يؤسس حياته.

وقال عبد الهادي:" توسعت بعملي وأصبح لي ورشة ملكي، ولها فرع آخر على طريق صلاح الدين، وتمكنت من تعليم اثنين من أبنائي المهنة، وأرسلت ثالثا للتعليم في روسيا تخصص علوم سياسية، حياتي كانت رائعة جدا، والظروف جيدة  فقد استطعت بعد سنوات من العمل والتعب أن أحقق حلمي وامتلك ورشة فنية للتبريد خاصة بي أديرها بنفسي".

وأضاف: اشعر الآن بالصدمة، فكل شيء انقلب فجأة، أجبرت ابني على ترك تعليمه في روسيا والعودة إلى غزة، الأمر الذي شكل له عقدة نفسية ما زالت تلازمه حتى اليوم، ويحملني مسؤولية تحطيم مستقبله، وولدي الآخران عاطلان عن العمل، ولا دخل للأسرة بعد اليوم"، مضيفا انه في آخر ثلاث سنوات بات العمل شحيحا وضعيفا نتيجة الظروف الاقتصادية التي يمر بها القطاع، مبينا انه في السابق كان المواطنون قادرين على تصليح أجهزتهم، لكن الآن الوضع تغير لا توجد كهرباء لتشغيل الأجهزة، ومن يتلف عنده جهاز  كهربائي لا يفكر بإصلاحه لعدم انتظام الكهرباء، إضافة لعدم امتلاك بعضهم النقود للدفع.

واستطرد عبد الهادي:" لم يطرق باب ورشتي أحد منذ قرابة العام، وأجبرتُ على بيع القطع والمعدات الموجودة بها بأبخس ثمن، لأستطيع أن أدبر مصروف عائلتي".

وأضاف:" يدي ترتجف وترتعش عندما اقترب من أي ماتور "محرك تشغيل" أو أي أي قطعة موجودة في الورشة، فهناك قطع امتلكها منذ 35 عاما يعز علي فراقها، فهي تشكل جزءاً مني يصعب علي بيعه، لكن ما باليد حيلة، والحمد الله على كل حال".

ونوه إلى انه يشعر أحيانا بالغضب والاستفزاز من أصحاب الخردة الذين يفاصلون بسعر محرك ثلاجة أو غسالة، واصفا الأمر بالمهين جدا له، وأنه يشعر بأن حريقا يشتعل في صدره، نظرا لأن سعر معداته غالٍ ولا يحتمل البيع بأقل الأسعار، لكنه يجبر على ذلك مقابل شواقل لا تذكر.

وأشار إلى أن هناك ديونا متراكمة من فواتير كهرباء ومياه على الورشة، وترخيص البلدية، وعبر عن شعوره بالألم ليلا عندما يجلس وحيدا في الورشة، يقول لنفسه: ما الذي أوصلني لهذا الحال، لماذا ساءت الأمور فجأة وتدهور الوضع، أصبحت كل الظروف ضدي والأعباء تكالبت علي".

ووصف عجزه أمام أصحاب الخردة بالقاتل، لعدم قدرته على مفاصلتهم بالسعر نظرا لعوزه للمال.

وعبر عبد الهادي عن شعوره حين بيعه لأحدى معداته قائلا:"  قلبي لا يطاوعني ويؤلمني كثيرا إذا اقتربت من قطعة في الورشة، اشعر بأنها قد تغادرني للأبد ولن تعود، اعتدت على لمسها كل يوم وتنظيفها؛ فهي اليوم لم تعد موجودة أمامي، قهرتني الظروف وأجبرتني على التخلي عنها وبيعها بأرخص سعر، أعتصر ألما عند بيعها، وغصة تخنقني كل يوم جراء ذلك".

 الرجل الخمسيني الذي عاصر ازدهار اقتصاديا وانتعشا تجاريا بقطاع غزة أجبره سوء الوضع الاقتصادي على مدار 12 عاما إلى بيع كل ما يملك من روح وقلب في ورشته؛ ليصرف على عائلته فقط ويلبي مصاريفها دون أن يفكر بتشغيل الورشة مرة أخرى، وذلك لأن الظروف حاصرته ووضعته في بوتقة العوز والحاجة، موضحا أن دعم زوجته والمحيطين  فيه يرفع من روحه المعنوية، ويصبره على الوضع السيئ، متأملا أن يتحسن الحال إلى الأفضل، وتعود الأمور إلى سابق عهدها.