"كمموا" الاحتلال..!

الحياة الجديدة- أسامة العيسة- دعا باحث اقتصادي، إلى ما سماه تكميم الاحتلال، أي تحويل ممارسات الاحتلال إلى "كم" يحسب بالأرقام.

وقال الدكتور عيسى سميرات، في حديث مع مراسلنا، بأنه يعمل من خلال أبحاثه، على تحويل مفهوم الاحتلال، إلى حسابات، لمعرفة تكاليف الاحتلال.

وأعطى مثالا عمّا يقصده قائلا: "لدينا في شوارع الضفة الغربية 140 ألف سيارة للمستوطنين، مما يزيد من أزمة المرور، وانبعاث الغازات، التي تؤدي إلى مزيد من الأمراض التنفسية، هذا مثال على تكاليف الاحتلال التي يعاني منها شعبنا ولكنها غير محسوبة".

بطاقات ممغنطة

وأجرى سميرات، دراسة عن تكاليف البطاقات الممغنطة، التي تشترط سلطات الاحتلال حصول أي مواطن فلسطيني عليها، حتى يحصل على تصريح لدخول إلى القدس والأراضي المحتلة عام 1948م، سواء كان ذلك  للعمل أو لأي غرض آخر.

وحسب إحصاءات الإدارة المدنية الاحتلالية فانه  في عام 2013م، حصل مليون و200 ألف فلسطيني في الضفة الغربية على بطاقات ممغنطة، ورغم أن القانون الدولي يحظر على إسرائيل، بصفتها دولة احتلال، أن تجني أية رسوم أو أي دخل من الأراضي التي تحتلها، إلا أنها تفعل ذلك.

وقال سميرات: "تكلف كل بطاقة ممغنطة نحو 200 شيقل أي أن هناك نحو 300 مليون شيقل يجنيها المحتلون فقط من البطاقات الممغنطة".

ورغم أن سلطات الاحتلال تبرر إصدار البطاقات الممغنطة لأسباب أمنية، إلا أن ذلك غير حقيقي، وإنما الهدف منه، كما يتضح، العامل الاقتصادي، ووضع عراقيل أمام حياة الفلسطينيين اليومية، فالحصول على بطاقة ممغنطة يستلزم، تعبئة نموذج لدى مكتب خدمات، والانتظار أمام مقار الإدارة المدنية الاحتلالية، ودفع الرسوم، والعودة للمراجعة، وكل ذلك الوقت والجهد غير محسوب في التكلفة.

التصاريح والزراعة

يضطر المواطنون للحصول على بطاقات ممغنطة، كما ذكرنا أعلاه للحصول على التصاريح الاحتلالية للدخول إلى القدس والى الأراضي المحتلة عام 1948م، ولا تتوقف ماكنة الدفع عند الحصول على البطاقات ولكنها تستمر مع التصاريح.

وحسب سميرات، فانه يوجد نحو 200 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل، وكل منهم مضطر للدفع  للسمسار أو صاحب العمل أو المقاول نحو 2500 شيقل، وهو معدل ثمن التصريح. وكل هذه الأموال تصب في النهاية لصالح الاقتصاد الإسرائيلي.

وعن دور الاحتلال الإسرائيلي التدميري للاقتصاد الفلسطيني، يعطي سميرات مثالا فيما يتعلق بالقطاع الزراعي الذي كان قبل الاحتلال يشكل أكثر من 70% من الناتج المحلي، إلا أنه الآن يقل عن 5% من الناتج المحلي.

لقد عملت سلطات الاحتلال منذ بدء احتلالها، وضمن خطة، لتدمير الاقتصاد الفلسطيني، والحاقة بالاقتصاد الفلسطيني، وهو ما نجحت فيه، حسب خبراء اقتصاديين، وليس أدل على ذلك من تدمير القطاع الزراعي، وتحويل المزارعين إلى عمال بالأجرة في سوق العمل الإسرائيلي الأسود. وأدت ممارسات الاحتلال بتدمير الاقتصاد الفلسطيني، إلى جعل هذا الاحتلال ليس فقط "غير مكلف" كما كان يقال بل إلى احتلال مربح.

ويعطي سميرات مثالا على استغلال الاحتلال للموارد في الأراضي المحتلة، ما حدث في شبه جزيرة سيناء المصرية بعد الاحتلال، حيث استخرج المحتلون النفط من الآبار المصرية، ولم يستعيدوا فقط ثمن ما صرفوه على حرب 1967م، ولكن أيضا ربحوا من استمرار البيع.

هدم المنازل

أجرى سميرات دراسة عن هدم المنازل في القدس المحتلة من قبل سلطات الاحتلال، والتي يعتبرها إحدى الدراسات التي بحث فيها تكاليف الاحتلال التي تتجاوز الخسائر المباشرة للناس الواقع عليهم الاحتلال.

يقول سميرات: "منذ عام 1967م حتى عام 2013م هدمت دولة الاحتلال الإسرائيلي في القدس نحو 4500 منزل، ولهذا الهدم تكلفة مباشرة وتكلفة غير مباشرة، أي تكلفة اقتصادية وتكلفة غير اقتصادية، وهو ما حاولت تبيانه في دراستي".

وتوصل سميرات في دراسته إلى ان الفلسطينيين يستحقون 9 مليار دولار مقابل هدم هذه المنازل، وتوصل لذلك من خلال دراسة وتوظيف ثلاثة نماذج، تم فيها التعويض عن هدم المنازل أو الدمار:

* نموذج تعويض المستوطنين بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، بعد الجلاء من سيناء وهدم المستوطنات التي بنتها سلطات الاحتلال فيها بعد احتلالها.

* نموذج تعويض المستوطنين في عام 2005 بعد تفكيك المستوطنات في غزة.

* نموذج 11 ايلول  الذي عوضت بناء عليه الحكومة الأميركية المتضررين من الهجوم على برجي منهاتن.

ومن هذه النماذج الثلاثة، طور سميرات كما يقول، نموذجا فلسطينيا حسب بناء عليه تكاليف هدم المنازل في القدس.

ويقول سميرات إنه من بين التكاليف غير المباشرة والتي تحسب، ان 24% من الذين هدمت منازلهم زاروا مصحات عقلية، وهذا يعني في دولة الاحتلال الإسرائيلي، تلقي علاج باهظ جدا، فتكلفة العلاجي النفسي هي الأغلى في دولة الاحتلال".

ويضيف: "وجدت من خلال الدراسة أن المرأة هي أكثر إحساسا بالألم من الرجل فيما يتعلق بهدم المنازل، حين تجد نفسها مرة واحدة بدون منزل ارتبطت به بعواطف مختلفة، وبعلاقات اجتماعية مع الجيران، وتعودت على الموقع والمناخ والاطلالات حولها، وكل هذا يجب أن يحسب ضمن تكاليف هدم المنازل".

ومما توصلت له الدراسة، ان 45% من الذين هدمت بيوتهم لم يعودوا ليبنون في نفس المكان، مما يشير إلى نجاح مخططات الاحتلال بتفريغ القدس من سكانها العرب.

المواشي والأغوار وغزة

أعد الدكتور سميرات دراسة حول تكاليف قطاع المواشي، وقال: "إذا حصرنا التكاليف في العلف والمراعي، فيجب أن لا يغب عنا حقيقة أن 61% من الضفة الغربية هي مناطق مصنفة ج، مما يعني حجم الأراضي التي لا يستطيع الرعاة استخدامها كمراع، مما يزيد في التكلفة بشكل كبير".

ويقول سميرات، بان الاحتلال يسيطر على 74% من الأغوار، مما يزيد من تهديد القطاع الزراعي الذي تراجعت مساهمته في الناتج المحلي بشكل مريع.

ويشير إلى جوانب عديدة تتعلق بتكاليف الاحتلال، منها قطاع المواصلات، حيث ضاعف إغلاق القدس، وفتح طريق وادي النار، من الفترة الزمنية التي يقضيها المسافر على الطرق للوصول إلى عمله، وأيضا أثّر ذلك على أجرة الطريق.

وأعطى مثالا على ممارسات الاحتلال فيما يتعلق مثلا بشحنة أدوية دفعت ثمنها السلطة الوطنية أو دول مانحة، ستذهب من تل أبيب إلى غزة خلال ساعتين، أما شحنة الدواء من رام الله إلى غزة فتستغرق أسبوعين، وهذا يعني تكاليف إضافية، بسبب الاحتلال.

ويؤكد سميرات انه بسبب الاحتلال فان الميزان التجاري الفلسطيني-الإسرائيلي يميل لصالح إسرائيل، حيث نبيع لهم بنحو 400 مليون دولار سلع وخدمات، ونشتري منهم بنحو 5 مليارات دولار.

وحسب سميرات فان: "البنك الدولي يؤكد أنه إذا ذهب الاحتلال فان الاقتصاد الفلسطيني سيتضاعف، من 11 مليار دولار كما هو الحال الآن، ليصبح أكثر من 20 مليار دولار".

تكميم الاحتلال

يعتقد الدكتور سميرات ان تحويل الاحتلال إلى "كم" هو بعد مهم جدا، ويتساءل: كيف يمكن توظيف هذا النوع من الدراسات في خدمة القضية الوطنية؟

ويقول: "يجب توظيف مفاهيم تكاليف الاحتلال في البعد السياسي والنضالي، على ان يتم ذلك بطرق علمية".

ويضيف: يجب العمل على تحويل ممارسات الاحتلال بشكل تظهر الصورة الحقيقية للاحتلال، الذي يسمم مختلف جوانب حياتنا من المواصلات، إلى الزراعة، إلى حرية التنقل، وغير ذلك".