اقتصاد المقاومة

الحياة الجديدة- أسامة العيسة

فندق بانكسي

في الأسبوع الماضي، احتفل فندق (وايلد اوف هوتيل) المعروف بفندق بانكسي، على اسم مؤسسه فنان الغرافيتي العالمي المثير للفضول والجدل، بالذكرى السنوية الأولى لافتتاحه، في "أسوأ مكان" يمكن افتتاح فندق فيه، على حد تعبير إدارة الفندق، بجوار جدار المقام الفصل العنصري على أراضي بيت لحم، لفصل أحياء المدينة، وفصلها عن توأمها مدينة القدس.

وأعلن وسام سلسع، مدير الفندق، بأنه خلال عام زاره 50 ألف سائح، وهو مثار فخر إدارة الفندق الحديث، والذي رغم ضيق مساحته وموقعه، تمكنت إدارته من تسويقه على مستوى العالم، بسبب شهرة بانكسي، واستخدام موضوعة الجدار العنصري والظلم الواقع على شعبنا.

يحوي الفندق، متحفا عن الجدار، وأعمالا فنية، بالإضافة إلى معرضٍ للوحات الفلسطينية، استمر عدة شهور، وانتهى، كما يقول سلسع، ببيع معظم لوحاته، ليتم بمناسبة الذكرى الأولى افتتاح معرض آخر للفنانين الفلسطينيين المكرسين، ويتوقع أن يلاقي أيضا نجاحا.

هناك من يرى ان "بانكسي" يستغل معاناة شعبنا، والوضع السياسي، لإنجاح مشروع استثماري له، ويشيرون إلى ما يبيعه الفندق من مشغولات لها علاقة بالجدار، بأسعار مرتفعة، في حين يخالفهم البعض الرأي مدافعين عن ان "البزنس" ليس عيبا، وان الفندق يشغل أيدي عاملة فلسطينية، وكان له، حسب منظمة السياحة العالمية، دورا في انتعاش السياحة في بيت لحم، خلال العالم الماضي، حيث سجلت أكثر من مليون حالة مبيت في فنادق المدينة، وهو ما اعتبر انجازا لافتا.

ويؤكد سلسع، ان رسالة الفندق، هي رسالة الشعب الفلسطيني التي تُنقل للزوار، وان وصول عدد الزوار إلى ما اعتبره رقما قياسيا، بالنسبة لفندق فلسطيني بهذا الحجم، يعكس انجازا في مجال فني يساهم في رفع الوعي العالمي للقضية الفلسطينية.

تراشق وتباين

وبجانب الفندق، يوجد عدة محلات تحمل أسماء لها علاقة بالجدار أو بانكسي، تبيع لوحات وتذكارات وهدايا مختلفة لها علاقة بجداريات بانكسي التي رسمها قبل سنوات على جدران بيت لحم، وبعضها هُرب للخارج، في صفقات يقال انها وصلت إلى مئات ألوف الدولارات، بينما تم إحباط مشاريع بيع لجداريات أخرى.

وتبيع هذه المحلات، علب الدهان لكثير من الفنانين أو الهواة، والزوار، ليرسموا ما يحبون على الجدار المرتفع الذي تفصله عن المحلات أقل من ثلاثة أمتار.

ولكن المنافسة بين أصحاب المحال، تجعلهم يتراشقون الاتهامات، ومحاولة إظهار التباين بين محل وآخر، كما يفعل محمود عبيد الله، الذي يدير متجرا من غرفة واحدة، لا تفصلها عن قبة راحيل، الجيب الاستيطاني والعسكري الاحتلالي، سوى الجدار العنصري.

يقول عبيد الله، الذي يعتبر نفسه فنانا هاويا، إنه افتتح محله منذ نحو عامين تحت اسم (محل خلف الجدار) وهو الاسم الذي يكاد يستخدمه جميع أصحاب المحلات المتشابهة.

ويضيف عبيد الله: "همي الأول هو المحافظة على هوية ووطنية محلي، فانا لا أبيع تذكارات سياحية (السنتواري)، أو بضاعة صينية، وإنما أعرض "التي شيرت"، والملصقات، والصور الخاصة بالمظاهرات والمقاومة الشعبية، والتي تعكس واقعنا الفلسطيني، وعدالة قضيتنا".

ويؤكد عبيد الله، الذي خط اسم محله بالانجليزية، وكذلك الشعارات، ان الجمهور المستهدف بالنسبة له، هو الجمهور الفلسطيني، وليس الأجانب.

ويوجه عبيد الله، نقدا لبانكسي قائلا: "في البداية كان بانكسي مع القضية، ثم أصبح يهتم بالبزنس"، وردا على سؤال حول استخدامه لجداريات بانكسي بوضعها على منتجاته لتسويقها، أجاب عبيد الله: "إنه من حق أي شخص استخدام غرافيتي بانكسي".

ويؤكد عبيد الله، انه يشجع الرسم على الجدار، في حالات تتعلق بالقضايا الوطنية، مثل رسم امرأة تحمل العلم الفلسطيني، وأنه يقدم الدهان مجانا من اجل ذلك.

ولا يعتبر عبيد الله، مشروعه ناجحا، ويقول إنه يهدف إلى زرع أشجار، علها تكبر مستقبلا، وتطرح ثمرا، في المنطقة التي يقع فيها محله، والتي يحاول الاحتلال سلخها عن بيت لحم.

ويطالب عبيد الله، بلدية بيت لحم، بوضع إضاءة في المنطقة لأنها تتحول، مع مغيب الشمس، إلى ما يصفها بالمقبرة، ويجب إحياء المنطقة.

ويؤكد أنه ضد تحويل الجدار إلى شيء تجاري، وإنما يجب المحافظة على الطابع الوطني للمنتجات التي تباع.

برَكة فتاة تفتش جنديا

من أكثر رسومات بانكسي شعبية، تلك التي تظهر فتاة صغيرة وهي تفتش جنديا احتلاليا، رسم بانكسي عدة نسخ منها على جدران مدينة بيت لحم، ومخيماتها، وصمدت إحدى هذه الرسوم على جدار مقابل دار جاسر، حيث تشهد المنطقة المواجهات التقليدية بين الفتية وجنود الاحتلال.

يقول محمود محمد أبو طربوش، الذي يدير محلا صغيرا باسم (بانكسي شوب)، تقع اللوحة داخله، ان المكان كان لأبيه، الذي رأى في عام 2006م رساما مقنعا برفقة مساعدين، وهو يرسم الفتاة والجندي، دون معرفة أهميتها، ولكن اهتمام الزوار الأجانب باللوحة، والتقاط الصور بجانبها، دفعه لوضع طاولة وبيع منتجات سياحية للزوار.

وحدثت محاولة لقص الجدار وتهريب اللوحة، ولكن تدخل بلدية بيت لحم، والمحافظ، وتحرك مهتمين، أدى إلى إحباط محاولة التهريب، وفي شهر حزيران 2017م، أحاط أبو طربوش موقع اللوحة بعازل حديدي ليعلن عن افتتاح محله، الذي يبيع منتجات تحمل رسومات بانكسي، ولكن موقع المحل وسط المواجهات، لم يجعل الأمر يسير كما آمل، ما أدى إلى إصابة محله بقنابل ورصاص الاحتلال، واعتقال ابنه البالغ من العمر 14 عاما.

وكي لا يصاب الرسم بالتلف، وضع عليه إطارا زجاجيا، ويؤكد بأنه لا يستغل الأجانب الذين يأتون لالتقاط الصور بجانب الغرافيتي.

ويطالب أبو طربوش، بلدية بيت لحم، بترخيص محله، وإلغاء مطالبتها بإزالة المحل، ويقول: "احتاج إلى المساندة للمحافظة على الرسم، وعلى المحل، فانا أعيل ثمانية أفراد".

المحلات حول الجدار التي تسوق منتجا له علاقة به، ليست متساوية في النجاح وحجم "البزنس"، وتقلد بعضها بعضا، وقد يحتاج الأمر إلى وقت لتتضح حالة هذا النوع من البزنس.