"عنب آذار".. مهرب مش إفريقي

الحياة الجديدة- نائل موسى- مبكرا، وفي غير أوانه، غزا عنب طازج مجهول المصدر، أسواق رام الله والبيرة، وسط حيرة مواطنين يستوقفهم وجوده في هذا الوقت من العام، وتبعدهم نار أسعار لا تقف عند حدود الـ 25 شيقلا للكيلو الواحد.

والسعر الباهظ يبقى هامشيا حول هذا العنب الذي يشك المتسوقون في مصدره، حيث يقول الباعة انه قادم من دولة جنوب افريقيا، فيما تنفي وزارة الزراعة منح أي تصاريح أو اذونات لاستيراد عنب من هذه الدولة أو سواها، معلنة ان المعروض مُهَرب، ومستوردوه مُهَربون.

والمعروض هو عنب مائدة من صنف لا بذري مبكر النضج وصل بعناقيد متوسط الحجم، لون حباته أبيض مخضر وتختلف درجة حلاوته وجودته من بسطة لأخرى، بخلاف نظيره الفلسطيني الأبيض المصفر شهد المذاق.

ولزيادة اقبال المستهلك المحلي على شرائه وجذبه، يعمد باعة في أسواق وشوارع رام الله والبيرة الى حيلة إشهار السعر لنصف الكيلو، وهي طريقة غير متبعة في الأراضي الفلسطينية للتخفيف من وطأة السعر الحقيقي.

وتعترف المواطنة سمر ساري من حي أم الشرايط بمدينة البيرة، انها وقعت بهذا الفخ وغرر بها، وقالت وهي تتفقد ما اشترته من بسطة انها اضطرت لدفع ضعف المبلغ الذي توقعته على مضض "تخجيل"  بعد ان كانت اعتقدت اعتمادا على ما فهمته انها ستدفع 20 شيقلا لقاء 2 كلغم  فدفعت 40 شيقلا.

وتضيف: أنا ربة اسرة قليلة العدد، يحبون هذه الفاكهة الصيفية، وأردت ان أفاجئهم ببواكير العنب الذي نشتهيه جميعا في البيت، ولكن مع هذا السعر أؤكد انها كانت تجربة لن أكررها على الأغلب قبل حلول الموسم، فالأمر لا يتعلق بسلعة أساسية صعب الاستغناء عنها، بل بترف استهلاكي للحصول على سلعة في غير أوانها.

وتعتقد سمر مثل غيرها ان الثمار المعروضة على مستوى مقبول من الجودة، وقالت وهي تتفحص ما بداخل الكيس: تبدو جذوع العناقيد طازجة ما يبعد احتمال ان مصدرها برادات التخزين من موسم سابق، اعتقد انها حديثة القطف.

وفيما يرمق أغلب المتسوقين عناقيد الكرمة اللامع اغلبها رتبت بعناية مكتفين بترف السؤال عن السعر، يرى أنور وهو موظف في القطاع الخاص بمكتب تأمين وسفر في رام الله ان الحصول على العنب في هذا الوقت يستحق هذا السعر الذي يعادل نحو 4 أضعاف معدل سعره.

واضاف: متى تعلق الأمر برغبة في الحصول على بواكير الثمار اعتقد انه يمكن دفع 20 شيقلا وهو مبلغ يقل عن ثمن رأس نرجيلة واحد، ندخنها في مقاهي رام الله المتواضعة، السؤال بالنسبة لي ليس السعر، بل عن مصدر هذه الفاكهة خصوصا في ظل الحديث عن مقاطعة منتجات المستوطنات.

 باعة المفرق

ويجمع الباعة على ان عنبهم مستورد، لكنهم يختلفون حول البلد المصدر، فالأغلبية منهم تقول انه وارد من دولة جنوب افريقيا وقلة تزعم انه أوروبي المصدر.

ويشكو الباعة من ضعف الإقبال على عنبهم الذي بدأوا يبيعونه منذ أكثر من أسبوع، بسعر يبدأ من 20 شيقلا وقد يقفز عن الـ 25 تبعا للجودة والطلب، فيما يتدنى الى 15 شيقلا للكليو لأصناف غير مرغوبة أو بدأ يغزوها التلف بفعل طول مدة العرض.

ويقول باعة انهم يشترون العنب من تاجر الجملة المورد بسعر يتراوح بين 15 و20 شيقلا للكيلو الواحد، ويفرضون عليه 5 شواقل كهامش ربح للاستفادة من الموسم وندرة العرض لكنهم يجبرون على التخلي عن جزء من الربح وربما عنه تماما لاستعادة رأس المال في حالة كساد المعروض واقتراب موعد تلفه.

ويقول باعة فضلوا عدم نشر اسمائهم انهم يتزودون بكميات قليلة تتراوح بين 10 و30 كيلوغرام في اليوم فقط، نظرا لضعف الطلب على هذه السلعة المكلفة وان الاتجار به في هذا الوقت من السنة تنطوي على مجازفة.

أغلبية ترفض عرضه

في المقابل يرفض محمد مشكور وهو تاجر فاكهة (جملة ومفرق) ومتخصص في سوق الخضار المركزي في البيرة "الحسبة" مثل كثيرين التعامل مع هذا العنب الذي قد يغري زبائنه لكنه لن يرضيهم تماما رغم عروض موردين.

يقول مشكور" السوق تعاني في المجمل من حالة كساد، وكثير من الأصناف تتكدس وتفيض عن الحاجة في ظل إحجام المستهلكين عن الشراء بالكميات المعهودة، ما يعرض الباعة الذين يكابدون للحصول على رزق أسرهم لمصاعب وخطر فقدان رأس المال المتواضع أصلا.

ويضيف: هذا العنب لا يمكن ان يكون فلسطيني المصدر سواء من الحقول أو البرادات أو عبر الاستيراد المباشر، موضحا انه يعرض بالجملة بسعر يتراوح بين 10 الى 20 شيقلا للكيلو تبعا لمستوى الجودة وفترة الصلاحية.

ويتابع مشكور: نعرف ان هناك عنبا اسرائيلي المصدر مزروعا في الدفيئات بدأ يطرح إنتاجه منذ أيام، لكن هذا العنب يعرض بسعر يتراوح بين 30 الى 40 شيقلا للكليو الواحد وبهذا الرقم يصعب وصوله الى الأسواق الفلسطينية، الا في حال اقترابه من التلف بسبب تقدم مدة القطف وطول أمد عرضه للبيع.

ويتوقع مشكور ان ينضج العنب الفلسطيني من الأصناف المبكر النضج وغيره من الفواكه الصيفية خلال أسبوعين الى ثلاثة اسابيع، أي أبكر من المعتاد بسب ظروف المناخ والحرارة المرتفعة التي بدأت في شباط وتتواصل في آذار.

تاجر جملة يقر

وحول مصدر العنب قال تاجر جملة متخصص بتجارة الفاكهة خاصة الأصناف المستوردة منها طلب عدم نشر اسمه: هذا العنب مصدره دولة جنوب افريقيا، ونحن نشتريه من تجار اسرائيليين يستوردونه من هناك، لأننا لا نملك القدرة على الاستيراد المباشر على غير صعيد، وبالتالي نعتمد على هذه الطريقة للحصول على احتياجاتنا وتلبية طلبات الزبائن.

واضاف: استيراد هذه الأصناف لا يشكل مخالفة أو خرقا لأية أنظمة، مشيرا الى ان الحديث يدور عن عنب نستورده في وقت لا وجود لأي عنب فلسطيني، وبالتالي لا يشكل أية منافسة للمزارع الفلسطيني والمنتج المحلي من جانب، وهو ليس من بضاعة وانتاج مستوطنات من جانب آخر.

وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالكرمة في الضفة الغربية نحو 51 ألف دونم، منها 45 ألف دونم تنتج ما يعرف بالعنب المتأخر النضج، و6 آلاف دونم اخرى أغلبها في مناطق شمال الضفة الغربية تنتج العنب المبكر النضج، وهي تنتج في المعدل بين 60 الى 70 ألف طن سنويا وهي كمية تفوق حجم الاستهلاك المحلي.

 وفي فلسطين تطرح حقول الكرمة بكرة النضج وهي من أصناف عنب لا بذري في شهر أيار، كما ان هذه الأصناف تزرع في الدفيئات الزراعية حيث ينضح العنب مبكرا بثلاثة أسابيع عن موعده في الحقل المفتوح.

الزراعة: عنب مهرب وسنلاحقه

ويقول طارق أبو لبن مدير عام التسويق في وزارة الزراعة: بصفتي المسؤول عن هذا الجانب في الوزارة فاننا لم نتلق أي طلب للحصول على اذن استيراد عنب من جنوب افريقيا أوغيرها إطلاقا، ولم نمنح اية تصاريح أو أذونات لهذا الغرض.

وأضاف: العنب وفي ظل وفرة الانتاج الذي يزيد معدل انتاجه عن معدل الاستهلاك السنوي، نسعى الى فتح منافد تصدير له، وهو أحد الأصناف التي تمنع وزارة الزراعة استيرادها من حيث المبدأ، وعليه فان المعروض في الأسوق الآن، هو عنب مهرب من إسرائيل، ولا يوجد أدنى شك لدينا في ذلك.

وتابع أبو لبن: العنب المعروض هو كميات صغيرة بالمعنى التجاري الصرف، ولا يتطلب نقلها شاحنات يسهل اكتشافها وملاحقتها، وبالتالي يسهل تهريبها في مركبات خاصة أو مركبات نقل ركاب خاصة في ظل الحدود المفتوحة وسيطرة الاحتلال عليها تماما وتشجيعه لعمليات التهريب الى الأراضي الفلسطينية.

 وخلص ابو لبن للقول: ان وزارة الزراعة تنسق مع الضابطة الجمركية والجهات المعنية بغية تنظيف الأسواق من هذا العنب ومحاسبة الباعة وملاحقة مدخليه ومستورديه على قاعدة ان ما يجري بشأنه هو عملية تهريب توجب الملاحقة والمحاسبة.

.. ملاحقة ربما تفلح في منع التهريب واختفاء عنب مثل حضوره في شهر الثلوج والأمطار.. مجرد ذكرى  حرمت الأسعار كثيرين من تذوق حلاوة طعمها؟!.