تغريدة الصباح-هل للنّقود رائحة؟

محمد علي طه

قرأت فيما قرأته أنّ مدينة روما القديمة هي مصدر القول الشّهير "لا رائحة للنّقود" عندما فرض أحد أباطرتها على المواطنين ضرائب عديدة ليغطّي العجز الكبيرَ الذّي تركه الإمبراطور المبذّر نيرون في ميزانيّة الامبراطوريّة، وكانت ضريبة استعمال المراحيض العامّة من أغرب هذه الضرائب. ويقال إنّ جباة الضرائب شمّوا النّقود التي دفعها النّاس الذّين أجبرتهم الحاجة على استعمال المراحيض فوجدوا الا رائحة لها، ولكنّ صديقي المرحوم الشّاعر سميح القاسم كان يخالف أباطرة روما وجباة ضرائبها ومؤرّخيها عندما وصف أحد معارفنا في جلساتٍ عديدة بأنّه يشمّ رائحة الدّولار عن بعد ميل على الأقلّ، وأظّن أن الشاعر الكبير اتّكأ على المجاز في حكمه، ويجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، وأمّا صديقي الشّجراويّ أبو فارس، وفي حوارنا السّياسيّ عن السّلطة والفساد، وهي ظاهرة تكاد تكون عالميّة، فقد ضرب كفًّا بكفٍّ معبّرًا عن احباطه وقلقه وهو يقول: صرنا يهود العصر في حبّنا للنقود.

وأربكني صديقٌ لم يرث الاسلامَ دينًا عن والديه عندما سألني: لماذا قدّم الله تعالى المالَ على البنين في الآية الكريمة "المال والبنون زينة الحياة الدّنيا" وجعلني أفكّر ماليًا في الموضوع وأتساءل لمرّاتٍ عديدة ثمّ أعود الى المراجع الدّينيّة وتفاسير القران الكريم.

لا شكّ بأنّ الكتبَ السّماويّة والأساطير الشّعبيّة والأدب العربيّ والعالميّ، قديمهما وحديثهما، قد عالجت حبّ الانسان للمال: للذّهب والفضّة والنّقود والأملاك المنقولة وغير المنقولة وبيّنت ضعف الإنسان أمام المال، وهاجمت السّماسرة والمرابين، وما زالت مسرحية "تاجر البندقيّة" للكاتب والشّاعر الإنجليزيّ العملاق وليام شكسبير تعرض على مسارح الغرب والشّرق منذ مئات السّنين والاقبال يزداد عليها.

يعتقد كثيرٌ من الأثرياءِ أنّهم قادرونَ على شراء ما يشاءون بأموالهم فهم يستطيعون أن يشتروا ويأكلوا أطيبّ الطّعام ويشربوا ألذّ الشّراب ويقتنوا السّيّارات الفارهة واليختات السّاحرة والطّائرات الخاصّة والجزر والقصور وما يعرفه وما لا يعرفه واحدٌ مثلي ولكنّهم لا يستطيعون أن يشتروا السّعادة ولا ضمائر الشّرفاءِ ولا إرادة الشّعوبِ.

يرى التّاجر الأميركيّ شعوبَ العالمِ وحكوماتها من خلالِ ما تملكه الولايات المتّحدة التّي يرأسها من ثرواتٍ وأموال ومصارف ومصانع ومطارات وموانئ وترسانة أسلحة وغير ذلك ويحسب أنّه قادر على شراء من يشاء بدولاراته الخضراء، ويهدّد بتجويع الفقراء من شعوب العالم إذا لم يكونوا خرافًا في حظيرته، ولا عجبَ أن يتفاجأ إذا قال أحدهم له: لا، وأضاف: نحن نعرف من أين لك هذا.

هناك نقودٌ يربحها المرء بعرقه وبجهدهِ الجسديّ أو بمقدرته العلميّة أو الفكريّة وهي نقودٌ لا رائحة لها، وهناك نقودٌ ذات رائحة زنخة حتّى لو جاءت من البيت الأخضر أو البيت الأبيض أو البيت الأحمر.