"الأبيض" يزاحم "الأصفر"

الحياة الجديدة-- وسام الشويكي- تكثر في شوارع الخليل، السيارات البيضاء التي تعمل كـ "تاكسي أجرة"، تتنقل بين المناطق والقرى والبلدات، ولها زبائنها، وتتركز في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، مثل المنطقة الجنوبية، وعلى أطراف المدن والقرى.

ولا يحتاج سائق هذه السيارة، كي تعمل لنقل الركاب- من وجهة نظره- سوى طلي السيارة باللون الأبيض، ورخصة قيادة مركبة خصوصية، ثم الشروع في العمل، بعدما باتت تشكل ظاهرة، وتحت عين القانون، حتى أصبح المواطن العادي "يؤشر" على أية مركبة بيضاء كي توصله للمكان المراد، والاستغناء في حالات عن "العمومي الأصفر".

منذ سنوات عديدة، يقتني "أبو خليل" مركبة خصوصية بيضاء، ويعمل على نقل الركاب بين أحياء مدينة الخليل، ويجد فيها "الملاذ الوحيد" لتلبية احتياجاته ومعيشته اليومية، في واقع قلة الأشغال والغلاء في الأسعار.

ويتفق هو ومعه العديد ممن يعملون على سيارات خصوصية بيضاء لنقل الركاب، التقتهم "الحياة الجديدة"، على أنه نتيجة للمصاريف التي وصفها بالباهظة للتاكسيات القانونية الصفراء، التي لا يقدرون على حملها، من ضرائب وجمارك ومصاريف مكاتب، اضطرهم لاقتناء المركبات البيضاء لسد رمق العيش في واقع اقتصادي ومعيشي صعب، كما يقولون.

وخلال سنوات ماضية، التحق بـ"أبو خليل" اثنان من أبنائه، للعمل على مركبات خصوصية ذات اللون الأبيض، معللا لجوءهم إلى ذلك أنه نتيجة فشلهم في العثور على "عمل يؤمن مستقبلهم"، ما اضطرهم لشراء مركبات بيضاء لنقل الركاب عليها؛ أحدهم يعمل بين إحدى قرى محافظة الخليل والمدينة، والآخر داخل بعض أحياء المدينة.

ويضيف "أبو خليل"، أن همه بات يتركز في تأمين لقمة العيش لأسرته، بعدما ترك مهنة صناعة الأحذية في إحدى مشاغل الخليل التي تعرضت للإغلاق بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية التي أصابت هذا القطاع، ولا يملك المال الكثير– على حد تعبيره- للحصول على رخصة سائق عمومي ومن ثم تلبية متطلبات شروط ومواصفات العمل على تكسي أجرة، من رسوم رقم الخط وغيره، خاصة في ظل الأوضاع المادية القاسية التي نعيشها، مستطردا: "الحصول على رخصة عمومي مكلف جدا وتحتاج إلى وقت ومال لا أملكه".

ويعتبر- في سياق شرحه لـ "الحياة الجديدة" الظروف التي يعمل بها- أن ما يجنيه من مرابح طيلة النهار في التنقل وحمل الركاب، يكاد يلبي الحد الأدنى من متطلبات معيشته، لاسيما في هذا الواقع الذي يشهد ارتفاعا باهظا في الأسعار لمختلف السلع والخدمات.

ويطالب الحكومة بالتفكير فعليا نحو إيجاد بدائل بتوفير فرص عمل، خاصة للشباب، حيث يشكلون السمة الأغلب لسائقي هذه المركبات البيضاء التي تعمل تكسي أجرة، والعمل على استيعابهم بعيدا عن مثل هذه المهن والأعمال التي قال إنهم مضطرون للعمل فيها تحت وطأة الحاجة.

ويعتبر أنه، في ظل هذا الواقع الاقتصادي المرير؛ حيث الارتفاع في الأسعار وندرة تأمين عمل وقلة المدخولات الشهرية مع زيادة المصاريف، لا يجد بديلا عن اللجوء إلى "اقتناء سيارة بيضاء"، حيث إنه بات معروفا عند زبائنه، خاصة في المناطق التي يندر وصول التكسيات الصفراء إليها، مثل بعض مناطق جنوب المدينة، وأطرافها، والمناطق السكانية الحديثة، والأخرى النائية.

في حين، يرى سائقو تكسيات العمومي، أن السيارات البيضاء تأخذ "ربحا هم أحق به"، وتنازعهم في قوتهم ومهنتهم التي هم أصحابها الحقيقيون.

وعبر غير سائق، ومنهم من عرف عن نفسه بـ "شكري" لـ "الحياة الجديدة"، عن امتعاضه نتيجة انتشار المركبات البيضاء ومزاحمتها للتاكسيات الصفراء داخل العديد من الأحياء في المدينة، واصفا بأنها "أصبحت تؤرقنا، وكأنها قانونية لها دور وخط وزبائن، وتعمل تحت أعين رجال الشرطة في الشوارع والأحياء والحارات!".   

وأضاف: تعمل هذه المركبات بعائدات أفضل مما نجنيه نحن، وتفوق ما تجنيه السيارات العمومية الصفراء، ولا يمتثلون لدفع أية رسوم مفروضة على التكسيات، ولا بدل أرقام ولا ضرائب، بل مجرد ترخيص عادي، ويحصلون على تأمين قد يكون قليل التكلفة والتغطية، في حين يسدد سائق التكسي العمومي جزءا من ماله وعائداته للدولة بدل رسوم وضرائب، ناهيك عن المصاريف الأخرى.

وينوه "شكري" إلى قيام بعض سائقي العمومي بتحويل مركباتهم العمومية الصفراء إلى خصوصية بيضاء، بعد عجزهم عن الوفاء بالالتزامات المترتبة عليهم، وللتخلص من أعباء الرسوم والضرائب المفروضة على التاكسيات العمومية، وتم استخدامها لنقل الركاب، ويحصلون على مبالغ أضعاف ما تحصل عليه التاكسيات، كما يقول.

ويضيف: أصبحت السيارات البيضاء فعلا منافسا حقيقيا لنا كسيارات أجرة قانونية، ما جعل أصحابها يتلاعبون بأسعار النقل إلى حد تخفيضها والتقليل منها، وهذا أثر بشكل أو بآخر.

ويطالب الحكومة، وعلى رأسها وزارة النقل والمواصلات والشرطة والجهات الأخرى المعنية، بالعمل على ضبط قطاع النقل والمواصلات بقوانين وإجراءات ناظمة للحد من مثل هذه المعضلات.

إلى ذلك، تؤكد الشرطة عدم قانونية نقل السيارات الخصوصية للركاب مقابل أجر. وأوضح الناطق الإعلامي باسم الشرطة المقدم لؤي ارزيقات، في حديث مع "حياة وسوق"، أن دور الشرطة في هذه الحالة يتلخص في إطار ما يسمح به القانون، وذلك بقيامها بتحرير مخالفة لكل سائق يقوم بنقل الركاب مقابل أجر وفق ما نص عليه قانون عقوبات المرور الفلسطيني، والتي تبلغ 300 شيقل.

وأضاف: هناك العديد والكثير من المخالفات التي تم تحريرها بحق السائقين المخالفين؛ بنقلهم ركابا بأجر. لكنه عبر عن أمله بسن قوانين وتشريعات تشكل رادعا حقيقيا بحق هؤلاء السائقين المخالفين.

وفي تعقيبه على هذه الظاهرة، أوضح المقدم ارزيقات لـ"الحياة الجديدة"، أن تنامي هذه الظاهرة بدأ مع النقص للمركبات العمومية، خاصة في فترة ما قبل قدوم السلطة الوطنية، وفي حالات غياب الأمن ونتيجة الفوضى التي رافقت الانتفاضة الثانية، ومع ندرة وقلة المركبات العمومية في المناطق النائية والبعيدة عن مراكز المدن. مؤكدا على ضرورة اتخاذ الجهات ذات العلاقة جملة من الإجراءات والقوانين ودراسة الاحتياجات المتنامية لقطاع النقل والمواصلات.

ولكن يبقى السؤال المهم الذي يجهله كثير من الركاب والسائقين- على السواء- والذي يتمحور حول دور التأمين في هذه المركبات، والطريقة التي يتعامل بها في حال وقوع حادث سير لمركبة خصوصية تقل ركابا بأجر.

عن هذا التساؤل، يكشف فتحي العويوي، وكيل شركة تأمين في مدينة الخليل، لـ "الحياة الجديدة"،  أنه في حال تعرضت مركبة خصوصية وتبين أن بداخلها ركابا بأجر فإن شركة التأمين لا تتعرف على الحادث، ولا تقم بواجباتها إزاءه، مهما كان نوع التأمين (طرف ثالث أو شامل وغيره)، وحتى لو كانت الأضرار فادحة، سواء ماديا أو جسديا.

ويؤكد العويوي، حصول حوادث سير عديدة مع مركبات خصوصية تقل ركابا بأجر، ولم تتعرف عليها شركات التأمين، وتكون في هذه الحالة العلاقة بين الركاب والسائق أنفسهم. 

ويؤكد المقدم ارزيقات، حول ذلك، أنه في هذه الحالة (وقوع حادث سير)، يُلغى التأمين، ويتم التعامل معه كحادث سير عادي ووفق الإجراءات القانونية.

ويبين العويوي، بشرح أكثر: حتى لو قمت بتأمين سيارة خصوصية واستخدمتها لأغراض تجارية ونقل بضائع مثلا، فإن التأمين لا يتعرف عليها، أيضا، لأن من شروط تأمين المركبة أن تكون لغاية معينة ولا يجوز الإخلال بهذا العقد أو الاتفاقية.