التعامل بالشيكات.. حركة وهمية للمال!

الحياة الجديدة - بشار دراغمة- لا يتردد جمال حسين بيع أي سيارة لديه بنظام الشيكات، وبرأيه اذا لم يفعل ذلك فإن تجارته لن تستمر بسبب ثقافة الشراء بنظام الشيكات التي باتت تسيطر على السوق الفلسطينية، مؤكدا أنه يضطر في كثير من الأحيان لبيع سيارات حتى من دون دفعة أولى فيكون "أولها شيك وآخرها شيك" وهو نظام مرهق جدا للتاجر ومحفوف بدرجة عالية من المخاطرة.

وتفيد احصائيات سلطة النقد الفلسطينية أن عدد الشيكات المقدمة للبنوك حتى سبتمبر/أيلول الماضي وصل إلى 4.5 ملايين شيك بقيمة 11.4 مليار دولار أميركي، في حين وصل عدد الشيكات المرتجعة نحو 537 ألف شيك بقيمة 813 مليونا أي ما نسبته 11.6% من إجمالي عدد الشيكات المقدمة للمقاصة، وما نسبته 7% من إجمالي القيمة.

ويؤشر عدد الشيكات التي قدمت للبنوك إلى زيادة استخدام المواطنين لاتمام معاملاتهم المالية بنظام الشيكات عوضا عن التعامل النقدي المباشر، فيما يرى خبراء أن الأمر يتعلق بثقافة عامة باتت سائدة بهذا الصدد وساهمت الأوضاع السياسية وعدم الاستقرار في المنطقة في تعزيزها حيث يرفض المواطن الحفاظ على مدخراته كما هي واستخدام الشيكات في عمليات الشراء.

ويعتقد جمال حسين أن كافة القطاعات وليس فقط السيارات طالها نظام التعامل بالشيكات، خاصة مع تزايد عدد التجار في المهنة الواحدة أكثر بكثير مما كان عليه الحال في السابق، مشيرا إلى أن معارض السيارات باتت "لا تُعد ولا تحصى" واذا لم يبع بنظام الشيكات فإنه لن يجد عملا ولن يصل أحد إلى معرضه، قائلا: "في الطريق بين جنين ونابلس عشرات معارض السيارات وكلها مستعدة للبيع بالشيكات ولا مجال أمامنا إلا الاندماج في ذات الآلية التي يتعامل بها الآخرون وإلا لن يكون لنا مكان في السوق".

ونوه إلى أن دخول التجارة الالكترونية ساهم بشكل كبير في تعزيز فكرة البيع بنظام الشيكات، مشيرا إلى أن مئات الصفحات على الفيسبوك باتت تعلن عن بيع وشراء السيارات وبات التعامل مباشرا في كثير من الأحيان بين المواطنين أنفسهم عبر تلك الصفحات وبطرق دفع ميسرة جدا وهو ما يحتم على أصحاب المعارض العمل بذات الطريقة.

وحسب حسين فإنه بشكل شبه يومي يواجه مشكلة الشيكات المرتجعة وأحيانا يحل الأمور بشكل ودي وفي أحيان أخرى يضطر للجوء إلى المحاكم، مضيفا "شخصيا لا أفضل الذهاب إلى المحاكم إلا مضطرا وذلك لأني أريد أسرع الحلول للحصول على أموالي، فماذا يفيدني سجن الشخص ومن ثم ربما تقسيط المبلغ، أنا أريد الحصول على قيمة الشيكات المرتجعة مباشرة".

ويؤدي التعامل بالشيكات وازدياد نسبة المرتجع منها إلى عدم توفر السيولة اللازمة للمنشآت والشركات، وبالتالي "التأثير سلبا" على استمرارية الأعمال وتغطية النفقات الإدارية والتشغيلية، كما تؤدي الشيكات المرتجعة إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، بالإضافة لتأثيرها على سرعة دوران النقود في الاقتصاد.

ويرى أمجد عبد المجيد والذي يستثمر في مقاولات الكهرباء ان التعامل بالشيكات طال كل القطاعات وبات لزاما على الجميع قبول العمل بهذا النظام والا لا فرصة أمام المستثمر للعمل مطلقا.

وبسب عبدالمجيد فإن شهري كانون الثاني وشباط من أسوأ الشهور فيما يتعلق بالسيولة النقدية، حيث يلجأ معظم التجار والمقاولين إلى اتمام المعاملات بشيكات مؤجلة تتجاوز هذين الشهرين بسبب انتهاء السنة المالية لدى العديد من الشركات ودخولها في إجراءات روتينية وهو ما ينعكس على المستثمرين في قطاعات أخرى.

وأوضح عبد المجيد أنه مضطر للتعامل بنظام الشيكات وفي حال رفضه فإن من يتعامل معهم سيلجأون إلى مقاول آخر في نفس المجال، مؤكدا أن ما نسبته 70% من مجموع عمله يتم بنظام الشيكات، وفي بعض الأحيان يكون بينها شيكات مرتجعة.

وقال: "الآن لدي شيكات تاريخ صرفها في شهر أيلول القادم وهي فترة زمنية بعيدة جدا، وبالتالي سأكون مضطرا للتعامل بنظام الشيكات مع الآخرين لتسديد ما عليّ من التزامات وتبقى الأمور في نفس الدوامة".

فيما يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية البروفيسور طارق الحاج أن ارتفاع نسبة التعامل بالشيكات يعود لمجموعة كبيرة من العوامل منها غياب الاستقرار السياسي في المنطقة وهو ما يحتم على المستثمر والمواطن في نفس الوقت الحفاظ على المدخرات وتفضيل الشيكات

وأوضح الحاج أن الضبابية السياسية هي المتحكم الأكبر في شكل التعامل المالي، أما السبب الآخر فهو "ثقافة التعويد" والتي تنتقل بالعدوى من شخص إلى آخر ورغم توفر السيولة النقدية إلا أن الكثيرين بات لديهم استخدام الشيكات مثل العادة.

وحسب الحاج فإن تزايد استخدام الشيكات بدلا من السيولة النقدية المباشرة يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد الفلسطيني فهو يؤدي إلى تعطل حركة دوران النقود ما يؤثر على مجموعة كبيرة من القطاعات الأخرى كما يؤدي إلى تعطل عجلة انسياب السلع ما بين المنتج والمستهلك. كما أن هناك شريحة كبيرة متضررة من المجتمع وهم أصحاب المشاريع الصغيرة وغياب السيولة النقدية المباشرة يؤدي لتعطل هذه المشاريع.

ويدعو الحاج إلى ضرورة تشديد القوانين فيما يتعلق بالشيكات الراجعة للمساهمة في المحافظة على سيولة نقدية قوية وحقيقية في السوق.