مصباح ويحيى شبانة قصة عشق مع الورق تزيد عن 60 عاما

القدس المحتلة-  ديالا جويحان- في كل يوم جديد لا يحلو يومك إلا بمشاهدة أقدم اثنين من بائعي الجرائد والقصص والكتب في مدينة القدس وهما من نفس العائلة: الحاج مصباح شبانه "أبو محمد" (89 عاما) الذي يلزم "الكشك" مكانه في  شارع الراشدية منذ أكثر من (68 عاما).

بينما البائع الآخر يحيى عبد المحسن شبانة (75 عاما) الذي يتواجد عند درجات باب العامود أحد أهم بوابات البلدة القديمة منذ (60 عاما).

قصص وحكايا لا تنسى من الذاكرة رغم كبر سنهما وعندما تستمع تتحول ملامح العيون لشاشة تلفاز تحاكي صمودا وثباتا وصبرا على اختلاف الظروف، ورغم الواقع الصعب الا أنهما يفتخران في هذا العمل لأنه مصدر رزقهما ورزق أولادهما الذي أوصلهم لأعلى الدرجات العلمية.  

بدأ العمل عندما كان عمره 11 عاما

عندما ترد السلام على الحاج مصباح شبانه "أبو محمد"  يبدأ بسرد تاريخ أهم مكان له والذي يعتبره جزءا كاملا من حياته بعد منزله يقول: المكان صغير ولكنه بنظري كبيرٌ جدا مما شاهدته مدى حياتي سلسلة من الأحداث في مدينة القدس ومنها الخطان المتواجدان أسفل  قدمي كل خط يرمز لزمن معين، الاول هو من أيدي العاملة الاردنية وهو عبارة (الشحمة السوداء أي الزفتة) أما الخط الثاني يعود لزمننا هذا تحت الحكم الاحتلالي الذي تخلف عن قلع الاشجار المعمرة والاعمدة التراثية الدالة على مقدسية المكان.

ولفت إلى أنه بدأ حياته بائعا للجرائد منذ كان عمره (11) عاما إذ تولى مهمة تربية وإعالة اسرته المكونة من شقيقين وثلاث أخوات، منوها إلى انه تزوج في عمر ال 20 وقد انجب 13 ابنا وابنة.

استمر أبو محمد  في بيع الجرائد المحلية والعالمية في ثلاثة أماكن، في البداية  يبدأ بالبيع في شارع سان جورج ومن ثم ينتقل لشارع باب الخليل، ليستقر بالقرب من مدرسة  الراشيديه  طريق السلطان سليمان  في القدس، لافتا إلى أنه عايش حربي 48 و67 وما تبع ذلك من خطوات احتلالية لتهويد المكان.

يقول: هذا مكان رزق أنجبت اولادي وكبروا وتعلموا المراحل الجامعية، وأصبحت جميع بناتي معلمات لمدارس في أحياء مدينة القدس.

يضيف "قبل 60 عاما كان دخلي بقيمة (79 قرشا) ويعتبر في ذلك الوقت أكثر من راتب وزير"، مبينا أن الاهتمام في ذلك الوقت كان منصبا على شراء الصحف والكتب والقصص لأعمار مختلفة. ويضيف "لكن بدأت الأحوال تتغير بين العام وآخر، ومع تطور التكنولوجيا أصبح الحال يتغير فقد بدأ الدخل يتغير وارتفعت نسبة البطالة".

وأوضح "بالرغم من كبر سني وآلام المفاصل التي أعاني منها في هذه الايام وحساسية الطقس وتأثيرها على العيون، غير أنني لا أستطيع أن أترك هذا المكان الذي يعتبر كل حياتي ويجسد ارتباطي بالشارع المقدسي".

ولفت إلى أنه يخصص جل وقته يوم الجمعة بعد انتهاء الصلاة في رحاب المسجد الاقصى لبيع الصحف عند باب الاسباط، لافتا إلى أنه يبدأ بالتعليق على الاخبار لجذب المواطنين على القراءة وشرائها.

يقول، في الماضي كان اهتمام المواطن لمواصلة القراءة والمطالعة ومتابعة الاخبار عالميا ومحليا أكثر،  ولكن اليوم اصبح هناك تراجعا كبيرا نتيجة اختلاف الحياة وتطور التكنلوجيا".

تغير الزمن والحال هو ذاته

أما أقدم ثاني بائع جرائد في المدينة فهو الحاج يحيى عبد المحسن شبانة (75 عاما) من سكان بلدة الطور ابن عم الحاج "أبو محمد" يروي: "بدأت العمل حين كنت في ال15 كبائع صحف محلية وعالمية، اجنبية وعربية أستيقظ منذ ساعات الفجر وابقى حتى ساعات المساء من كل يوم في هذا المحل وهو عبارة عن كشك".

ويضيف "كنت شاهدا على تهجير عائلتي عام 1967 من حارة الشرف واليوم أصبح يطلق عليها (حارة اليهود) وأذكر حينها كان يبلغ عمري 5 سنوات عندما اطلقت قنابل الكرتون من سماء البلدة القديمة في القدس لنعتقد أنها صواريخ وقنابل حقيقية تهدف إلى تهجير السكان الاصليين)، وهربت عائلتي بسبب ذلك متناسية طفلها حيث عاد والدي رحمه الله ليأخذني، فهذه المشاهد لا تختلف كثيرا عما نشاهده اليوم ولكن بأساليب اخرى وانتهاكات متعددة ومتطورة".

عمل الحاج يحيى ليلا نهارا لجلب قوت أفراد عائلته، إذ نجح من خلال هذه المهنة من تربية وتعليم ثمانية أبناء في أحسن الجامعات ودرس معظمهم الطب.

يضيف: "الوضع الحالي يختلف عن الماضي من حيث  تكاليف المعيشة من ارتفاع للضرائب والايجار وقلة الأشغال لجيل الشباب".

وأضاف "مع تطور الانترنت وسرعة ايصال المعلومة ونشر القصص الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر مواقع الانترنت اصبح اقبال الشعب على القراءة في تراجع، ما قمت بتطوير الامور لأبقى مترددا على هذا المكان حيث اضفت بجانب بيع الصحف أدوات متعلقة في المنزل منها: لصقات الجرح، الخيطان، والأبر، والمحفظات الرجالية والنسائية".

يقول والابتسامة لا تفارق وجهه، رغم كبر سني تعودت على التردد لهذا المكان ولا أستيطع البقاء في البيت في كافة فصول السنة، ورغم فصل الشتاء وهطول الغيث والاجواء الباردة أشعر خلال ترددي على صلاة الفجر وفتح المحل لانتظار استلام بيع الجرائد بالدفء والقوة والعطاء المستمر"، منوها إلى أنه يستمر في العمل حتى ساعات المساء ثم يعود للمنزل في نشاط دائم.

ووجه الحاج، رسالة  لجيل الشباب بأنه مهما ضاقت الدنيا واشتد الوضع سوءا في ظل محدودية فرص العمل فهناك إمكانية للبحث عن شيء يمكن الابداع فيه وخلق فرصة للعمل ليكون ذلك باب الرزق.