منصب رئيس أميركا

باسم برهوم

لو كنت مواطنا أميركيا، وكان عليّ أن أختار بين ترامب أو مقدمة البرامج الشهيرة أوبرا وينفري، لانتخبت دون تردد أوبرا، سأنتخبها لأسباب ثلاثة، الأول: إنها امرأة، وهي قوية وذكية ولديها رؤية، الثاني: أنها وبكل المعايير أكثر إنسانية من ترامب لكونها صاحبة بشرة سوداء عانت هي ومن هم مثلها من أبشع أنواع العنصرية، وثالثا: لكوني كنت سأنتخب القذافي، رحمه الله لو رشح نفسه مقابل ترامب.

لنقرأ معاً ما اورده الكاتب الأميركي مايكل وولف، في كتابة "النار والغضب في البيت الابيض" يقول وولف، إن ترامب لم يدخل الانتخابات كي يفوز، وإنما نظم حملة انتخابية لتزيد من شهرة علامته التجارية، وعندما فاز بدا غير مصدق وخائف.

وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة ذلك فإن كل هذا جعلني اتساءل عن منصب الرئيس في الولايات المتحدة، أعظم واقوى دولة في العالم، ومنصب الرئيس، دستوريا، له نفوذ وقوة قرار كبيرة، فهو الرئيس ورئيس الحكومة الفدرالية، إضافة إلى كونه القائد الأعلى للجيش، والممسك بقرار الحرب والأزرار النووية.

باختصار هو أهم وأخطر منصب في العالم المعاصر، لذلك ليس صدفة أن يكون مركز اهتمام الجميع وربما اهتمام لمعظم أشخاص هذا العالم.

لا أريد ان اخوض هنا في النظام السياسي والديمقراطي المعمول به في الولايات المتحدة الأميركية، لكونه نظاما معقدا، جاء نتيجة تاريخ قصير نسبيا لكنه صعب ومعقد تبلور خلاله هذا الشكل الفيدرالي للنظام السياسي، وما يحتويه من تعقيد، بالمناسبة هو غير مفهوم من قبل معظم المواطنين الأميركيين، وهو لهذا السبب ولغيره فإنه من النادر أن يشارك أكثر من نصف من يحق لهم الاقتراع في أميركا في الانتخابات.

ولأن هذا النظام معقد، فإنني لا أريد أن أشغل القارئ في تفاصيله في هذا المقال، حيث بإمكان أي شخص الاطلاع عليه عبر الانترنت واكتفي بالاشارة إلى انه في هذا النظام لا قيمة لصوت المواطن فيه، وبالتالي هو نظام ديمقراطي مليء بالثقوب إلى درجة يصعب معها اعتباره بالفعل نظاما ديمقراطيا، فغالبا ما يذهب أكثر من نصف أصوات المقترعين سدى ولا يتم احتسابها، لأن نظام المجمع الانتخابي، وهو المجمع الذي يضم ممثلين عن الولايات حسب نسبة السكان، هو من يقرر فعلا من هو رئيس الولايات المتحدة وليس الصوت المباشر للمواطن، النظام الانتخابي ينص على أن أي مرشح يفوز حتى ولو بصوت واحد أكثر في أي ولاية، فإنه يأخذ كل ممثلي المجمع، وبالتالي أصوات المرشح الآخر ترمى كلها في القمامة ولا قيمة لها. ويمكن الاشارة هنا، الى أن مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون التي هزمها ترامب حصلت على مليوني صوت اكثر منه، لكن هذا الأخير هو الذي اصبح رئيسا للولايات المتحدة.

على أية حال، ليس النظام هو همنا هنا بل منصب الرئيس، الذي من وجهة نظري قد تآكل كثيرا من الناحية المعنوية والرمزية، فاليوم معظم الأميركيين والاعلام الأميركي، والعالم باستثناء إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة، كل هؤلاء يتحدثون عن ان في البيت الابيض اليوم رئيساً غير مؤهل وغير كفؤ وبالتالي هناك خطر حقيقي على السلم العالمي.

لذلك يطرح السؤال كيف يصل رئيس غير مؤهل الى اهم واخطر منصب في العالم؟ هل يكفي أن تكون مليارديرا لتصبح رئيسا؟ ولأن هذا المنصب يهم البشرية جمعاء وليس الناخب الأميركي وحده، هذا الناخب منقوص الارادة، فقط السؤال الأهم ما العمل كي لا يأتي رئيسا أميركيا، وبما لدى بلاده من أسلحة دمار شامل، يمكن ان يأخذ البشرية لحرب عالمية ثالثة تحرق الاخضر واليابس.

وبالاستنتاج العام ولكون هذا المنصب وبهذا الحجم من التأثير، فإن البشرية جمعاء، وفي ظل العولمة بضرورة أن يكون لها رأي ودور في من يكون في البيت الابيض، ولا أقصد هنا ان نحل محل الناخب والنظام السياسي والديمقراطي الأميركي، ولا أن نتدخل في الشأن الداخلي للولايات المتحدة. ولكن يجب أن يؤخذ بالاعتبار رأي العالم، عبر استطلاعات، حول من يحتل هذا المنصب.

ترجمة ذلك مع ترامب، هو أن تمارس شعوب العالم عبر احتجاجات متواصلة، وإعلام منظم، لنقول له أنت رئيس خطير على السلم العالمي.

قد يفسر هذا الكلام بأنه تدخل في الشؤون الأميركية الداخلية ولكن ألا تتدخل أميركا في شؤون الجميع الداخلية، كما يمكن أن يبدو هذا الكلام خيالي بعض الشيء، ولكنه ممكن، فليس هناك ما يدعى مستحيلا عندما يتعلق الامر بالمستقبل.

الان على البشرية أن تبدأ وتتصرف بمسؤولية.. وقبل كل هؤلاء الشعب الأميركي عليه ان ينتخب بمسؤولية لأنه لا ينتخب رئيسا له، وانما ينتخب شخصا يمثل منصبا عالميا مهما وخطيرا للغاية.