عزّ كليوباترا في أريحا

أريحا - الحياة الجديدة- أسامة العيسة - تشهد منطقة تلول أبو العلايق، على نهضة مدينة أريحا الرومانية، بشكل أساسي، وقبلها الهيلنستية، وربما أقدم من ذلك بكثير، حيث عثر في الموقع على آثار تعود إلى العصر الحجري النحاسي (4500-3100 ق.م).

 

مسوح أثرية

تقع تلول أبو العلايق، في المنطقة التي يتغير فيها شكل وادي القلط، مع اقترابه من وادي أريحا الخصب، وتخليه عن تكويناته العميقة، والجروف الصخرية المرتفعة التي تحيط به، فيصبح أكثر انبساطا، وكأنه في حالة استعداد للقاء طال انتظاره مع سهل أريحا.

وربما لفظة تلول قصد بها الإشارة إلى التلال المنخفضة على جانبي الوادي، التي بنيت عليها مدينة أريحا، في وقت لاحق من موقعها الأوّل في تل السلطان.

كشف عن موقع التلول، لأول مرة الرحالة (ي. روبنسون E.Robinson) في عام 1838، وأجرى (س. وارن S.Warren) في عام 1868، حفرية في الموقع، هي الأولى من نوعها، شملت تلين، وكان ذلك جزء من فحصه لتسعة تلال في منطقة أريحا، ونسب ما عثر عليه من آثار إلى الفترة الرومانية.

وفي عام 1909، أجرى فريق ألماني حفريات في الموقع، وفي عام 1911، أجرى الفريق، حفريات أخرى، ومسح لكامل المنطقة، وحددها الآثاريون الألمان باعتبارها أريحا التي بناها هيرودس، وتم الكشف عن برك، وقنوات.

 وكان الموقع على موعد مع حفريات جديدة هامة عامي 1950-1951، عندما نفذت مدرسة الآثار الأميركية بالقدس موسمين من الحفريات الواسعة، شارك في الموسم الأول (ج.كيلسو J.L.Kelso) والآثاري الفلسطيني ديمتري برامكي، أما الموسم الثاني فجرى بإشراف (أ.ديتويلر A.H.Detwieler) و(ف.وينت F.V.Winnet) و(ج. بريتشارد J.B.Pritchard).

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، شهد الموقع حفريات إسرائيلية على مرحلتين، استمرت 12 عاما، وأكدت هذه الحفريات أن موقع تلول أبو العلايق، استخدم حتى الفترة العربية المبكرة, حيث تم العثور على حصن يعود إلى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ذو شكل بيضاوي، طوله 31 مترا، وعرضه 27 مترا، ومن أهم ما عثر عليه قطعة رخامية تحوي آيات من القران الكريم، وعثر بين أطلال الموقع على 266 قطعة نقدية تعود للفترة العربية المبكرة في فلسطين، وهي عملات أموية في أغلبها، وبعضها عباسية، أما القطع النقدية بعد القرن التاسع فكانت نادرة ربما تركها المسافرون في المكان.

 

مجد أريحا الروماني

وأبرز الآثار الشامخة في هذه المنطقة هي قصور هيرودس الشتوية، التي تم تحديدها في التنقيبات المختلفة التي جرت في المكان، بثلاثة قصور، تشهد على مجد أريحا الغابر، التي وصفت بالحديقة الغناء، التي شيدها هيرودس، حاكم مقاطعة فلسطين الرومانية العتيد، ولعل أهم القصور وأجملها القصر الذي يطلق عليه قصر الوادي، أو القصر الثالث، وأفخمه جناحه الذي يقع على الضفة الشمالية لوادي القلط، ورغم مرور قرون على تشييده، فانه ما زال يحتفظ بالكثير من ألقه السابق.

أعاد الآثاريون تاريخ تشييد هذا القصر إلى الفترة (15-10 ق. م)، ويبدو أن هيرودس، شيده على جانبي وادي القلط، كما افترض عالم الآثار الإسرائيلي ايهود نيتزر، احتفاء بزيارة القائد الروماني ماركوس اجريبا إلى فلسطين في عام 15 ق.م، أو أن اجريبا، جلب معه معماريين رومان، ساهموا مع زملائهم المحليين في تشييد قصر لم تتمكن عوادي الزمن من محو أثره، تقديرا لمشاريع هيرودس المعمارية.

ورجح نيتزر، الذي أكد استخدام ما سماه الباطون الروماني، بالإضافة إلى الطوب الطيني، أن الفريق الروماني، عمل أيضا في بانياس، وفي تشييد بناية دائرية عثر عليها قرب باب العامود في القدس.

وعمارة القصر متسقة مع ما يمكن تسميته الطابع المحلي المعماري لأريحا، فلا نجد فيه تلك الحجارة الضخمة التي ميزت بنايات هيرودس الأخرى، ويبدو القصر كأنه نسمة جميلة لطيفة، في مسار هيرودس العمراني، الذي استخدم مهندسوه في بناء معظمه، الطوب الطيني، والحيطان غطيت بالجير والجص، وتم بناء أعمدته الرشيقة التي تظهر بقاياها في الموقع، من نفس نوع الطوب، الذي تم تشكيله بأشكال مختلفة، حسب حاجات البناء في القصر.

ويظهر الجناح الشمالي من القصر كمستطيل أبعاده (87 في 46م)، ما يجعله يبدو كملعب رياضي، أو مضمار لسباق الخيل وهو ما جعل بريتشارد، في حفريات خمسينيات القرن الماضي، يحدده كقاعة رياضية، ولكن تقسيماته الواضحة لا تؤيد ذلك. بينما آخرون مثل كاثلين كينون، لم يساورهم الشك أبدا في هويته  لهيرودس.

يضم الجناح الشمالي للقصر، قاعتي استقبال، الأولى في الجانب الغربي من القصر، وتبلغ أبعادها (29 في 19م)، محاطة بالأعمدة من ثلاث جهات، وحولها غرف استقبال، ويعتقد بأنها استخدمت لتنظيم الاحتفالات، أمّا القاعة الثانية فتقع في القسم الشرقي للقصر وهي أصغر من الأولى، وأبعادها (8 في 13,5م)، وبين هاتين القاعتين، قاعة ثالثة أطلق عليها اسم: قاعة العرش, وأبعادها (19 في 19م) يحيط بها غرف استقبال، اعتبرت إحداها غرفة العرش.

والتصميم الهندسي للقصر يكشف، عن عظمة تخطيطه، وتقسيماته الداخلية من غرف, وأروقة، ومداخل، وجدران مزينة بلوحات ونقوش وزخارف مجصصة، وأرضيات من المرمر المستورد، والرخام المحلي، والفسيفساء البيضاء المتداخلة مع حجارة فسيفسائية سوداء، واعتبر أحد هذه الرسوم الذي عثر عليه شرق القصر، من أجمل اللوحات الفنية المزخرفة بأشكال هندسية ونباتية، التي عثر عليها في قصور هيرودس العديدة.

في قصور تلول أبو العلايق، أمضى هيرودس أيامه الأخيرة، التي كانت حافلة، وأحيكت حولها الروايات الأسطورية على الأغلب عن بطشه الأعمى الذي شمل عددا من المقربين إليه، وبعد أن توفي هنا، نقل ليدفن في حصن الهيروديوم، في برية بيت لحم.

 

حمّام ملكي

وبعد اختفاء الكثير من آثار قصر هيرودس الشمالي، إما بنقلها إلى أمكنة أخرى بعد التنقيبات المختلفة التي تمت في المنطقة، أو نهبها، يظل الأجمل والأبرز فيه الحمّام، الذي كانت تنقل المياه إليه، مثل باقي مكونات القصر من عين القلط، وعيون أخرى، كعين الديوك، والنويعمة.

يتكون هذا الحمّام بالغ الفخامة الذي بني وفق النظام الروماني، من ست غرف صغيرة، ينزل إلى بعضها بدرج، وهي تشبه البِرك، متنوعة الاستخدامات ما بين الماء الدافئ، والساخن، والبارد،  أبرزها غرفة دائرية قطرها ثمانية أمتار، في زواياها الأربع، أربع فتحات (حنيات) نصف دائرية، ومتساوية، كل منها نافذة في الحائط، تسمح بالجلوس على أرضياتها المرتفعة عن أرضية الغرفة، وفي وسطها حوض دائري، يشبه النافورة، وفي داخله عمود دائري، ربما كان المستحم يجلس عليه، وهذا الحوض هو المعلم الأبرز في الحمّام، كما يظهر الآن، والأكثر لفتا للأنظار في القصر بشكل عام.

ويعتقد الآثاريون أن هذه الغرفة، التي ربما كانت ذات سقف مقبب، استخدمت كغرفة للتعرق (البخار)، تم العثور على مثلها في الحمّام الروماني في (بومبي Pompeii) المدينة الرومانية الأثرية في إيطاليا، و(بايا Baia) في رومانيا، وأماكن أخرى. وبجوارها غرفة المرجل وأبعادها (5 في 7,5م)، ولديها أيضا منافذ في الجدران، تجاورها غرفة ربما كانت غرفة انتظار إضافية، استخدمت كغرفة باردة، أو غرفة فاترة، موصولة ببركة ينزل إليها بدرج.

أما الغرف الخمس الأخرى فتشكل مجموعة، كانت في الأصل جزءا من بناية هيرودية واسعة، بينت قبل الجناح الشمالي لقصر هيرودس الثالث هذا، وتم طمسها، عثر بين أطلالها على مطهرة واسعة.

وعمل الحمّام, وفق مزود مائي متطور، ونظام صرف، ويبدو أن القصر استخدم في حقب أخرى، وربما بعض التغيرات التي أدخلت على زاويته الشمالية الغربية تعود للفترة العربية المبكرة.

 

كليوبترا كانت هنا

وعلى الضفة الغربية لوادي القلط، عثر كيلسو وبرامكي، على ما سمياه الحديقة الغارقة، ووفقا لرأيهما، فإنها كانت جزءا من مركز أريحا المدني، وتبعد هذه الحديقة 117 مترا عن الجناح الشمالي للقصر ويفصل بينهما وادي القلط.

وبنيت الحديقة من نفس المواد التي استخدمت في القصر، وهي ذات واجهة عريضة، تقع تحت مستوى الأرض الحالي في المنطقة، والواجهة مكونة من تشكيلات نصف دائرية تشبه واحدها المحراب في العمارة الإسلامية، وبالقرب منها توجد بركة متسعة أبعادها (24 في 90م).

تلول أبو العلايق هذه، التي شهدت على مجد أريحا الرومانية، التي كانت توصف بالحديقة الغناء، هي التي أهداها مارك أنطونيو إلى حبيبته كليوباترا السابعة ملكة مصر، التي يقال بأنها لم تكن على وفاق مع هيرودس، الذي أثارت مكانتها لدى انطونيو، حفيظته، وفيما بعد أعادها اغسطس قيصر إلى هيرودس.

وإلى الشمال من قصر هيرودس الرئيس، عثر على بقايا قصرين هيروديين أيضا، رجح الأثريون أن الأول بني في خلال حكم كليوباترا لأريحا (35-30 ق.م)، ويضم هذا القصر جناح واحد مربع الشكل، أما القصر الثاني، فيعتقد انه شيد ما بين (30-25 ق.م)، ودمر بزلزال ضرب المنطقة عام 31 ق.م، ووفاة كليوباترا، بعد معركة أكتيوم، التي هزم فيها الجيش الذي قادته مع حليفها مارك انطونيو، أمام قوات اكتافيوس، بقيادة ماركوس ارجيبا.

وحسب نتائج الحفريات الإسرائيلية الموسعة في الموقع، فان القصر الثاني، بني فوق قصر أقدم منه يعود للحشمونيين، ويتميز هذا القصر بحمامه الجميل.