المكافح صدقي يوسف.. عدو الشمس والمطر!

 

رام الله- الحياة الجديدة- أسيل سعيد- لم يجد صدقي يوسف من قرية قريوت جنوب محافظة نابلس، والبالغ من العمر( 56 عاما)، والذي أنهكه التعب شيئا يورثه لابنه، سوى حراسة البناية السكنية لتعينه على اعالة أسرته، ليستبدل ذلك بالعمل على عربة لبيع المشروبات الساخنة.

على مدخل مدينة رام الله، وتحديدا في شارع المصايف، تقف عربة يوسف للمشروبات الساخنة بشكل يومي، والتي تكاد تصبح معلما من معالم المنطقة، تزود المارة، والسائقين، والموظفين المارين في المنطقة بالمشروبات التي يحتاجونها في ساعات مختلفة على مدار اليوم.

وباتت العربة الصغيرة الواقفة الى جانب الشارع، والتي تحتوي على غاز صغير، وأكواب ورقية، وعلب مختلفة من المواد الخاصة بتجهيز المشروبات، يضللها بشرائح بلاستيكية، لحمايتها من الأتربة والحشرات صيفا، والأمطار في الشتاء، تشكل ملاذا ومصدر دخل لعائلة يوسف، وبديلا وحيدا متاحاعن حراسة البناية خلال أكثر عامين.

ويقول: "تركت حراسة البناية السكنية التي كنت أعمل فيها منذ 10 سنوات، والتي كانت تعود عليّ بدخل شهري جيد لابني، لحاجته للعمل، وأعمل الآن على عربة للمشروبات الساخنة باتت تشكل مصدر دخل لي ولأربعة من أفراد أسرتي".

ويضيف: "لدي 9 من الأبناء والبنات منهم ستة متزوجين، وأعيل ثلاثة من بناتي الصغار وزوجتي بدخل يومي أقل من 30 شيقلا، مقابل أكثر من 12 ساعة عمل"، مشيرا الى ان تكاليف المواد التي يستخدمها وتكلفة الحياة الباهظة تزيد من صعوبة قدرة العربة الصغيرة على مساعدته في تحقيق استقرار اقتصادي لأسرته، كما أنه يضطر الى المبيت في رام الله بعيدا عن المنزل، حتى يوفر تكلفة النقل بشكل يومي.

ويتابع: "دأبت خلال عملي لأكثر من اربعين عاما، على ان أعيل أسرتي وان اعلم أبنائي وبناتي، حيث اكملوا تعليمهم الثانوي، ايمانا مني بأهمية التعليم في تحقيق حياة كريمة، الا انهم لم يتمكنوا من اكمال دراستهم الجامعية، لصعوبة وضعي المالي".

وعمل يوسف منذ ان كان في السادسة عشرة في عدة مجالات، كان أولها: في غسيل الباصات التابعة لاحدى شركات الباصات داخل الخط الأخضر لأكثر من 15 عاما،  كما عمل لأكثر من عشر سنوات في البناء "الباطون"، وبعد ان أجهده العمل الشاق في البناء، اضطر الى العمل في حراسة وتنظيف البنايات السكنية لعشر سنوات أخرى. معتبرا ان حياته وحياة أقرانه من العمال الذين لا يمتهنون صنعة يستفيدون منها، لم تكن يوما بالأمر السهل، واصفا حياته "بالكثير من الجهد مقابل القليل من المال".

وعن المعيقات التي تواجهه خلال عمله على العربة يقول: "ان الشمس والمطر أصبحا عدواي، لأنهما يصعبان عملي وحياتي"، الا انه يرى ان فصل الصيف هو موسم مناسب لبيع المشروبات التي يقدمها، بالرغم مما يعانيه من أشعة الشمس الحارقة التي يتعرض لها لساعات، والتي تضطره الى تغيير مكان العربة، ومكان جلوسه، ليجنب نفسه أشعتها المباشرة، الا انه يعتبر ان فصل الصيف يشهد اقبال المشترين، مقارنة بفصل الشتاء الذي يشهد تراجعا للمترددين عليه، بالرغم من زيادة حاجة الناس لتناول واحتساء المشروبات الساخنة في فصل الشتاء، والذي يعيده الى صعوبة  التوقف لشرب أو شراء المشروبات الساخنة من عربة في الشارع، وتحت زخات المطر.

وعن إمكانية إيجاد عمل بديل يقول: مع التقدم في العمر تضيق فرص العمل المناسب، خاصة مع سعي المشغلين الى توظيف عمال من الشباب لقدرتهم على العمل، وبذل الجهد بشكل أكبر من كبار السن، بالإضافة الى عدم وجود رأس مال كاف لتأسيس عمل خاص، يساعده في ترتيب وضعه المالي، وتحسينه بالقدر الذي يتناسب ومتطلبات الحياة، ما يجعل من العربة البديل الوحيد المتاح.

وكنوع من الدعاية كتب يوسف أرقام هاتفه المحمول على عربته، حيث لا يكتفي ببيع المشروبات لقاصديه، بل يقوم أيضا بتقديم خدمة التوصيل للأماكن القريبة، والتي يقوم بها على اقدامه، حيث يحمل صينية المشروبات، وبسبب المال القليل الذي يجنيه، يستبعد البحث عن مساعد له، ليتقاسم معه العمل.

صدقي يوسف المعروف (أبو يوسف) والذي يتردد زبائنه عليه يوميا، بات يحفظ مواعيد زبائنه ومواصفات المشروبات التي يطلبونها، ويجهزها لهم حتى قبل موعد وصولهم حتى لا يضطروا للانتظار، وليتمكنوا من اللحاق بأعمالهم وأشغالهم.

وتحدث عن أمله في أن يمتلك محلا لبيع المشروبات والساندويتشات تمكنه وأسرته من العيش حياة كريمة، وتريحه من الشمس الحارقة في الصيف، وأمطار الشتاء، وتمكن صغيراته واحفاده من اكمال تعليمهم الجامعي، ليرتاحوا من قساوة الحياة، وليجنبهم ما تكبده هو في حياته.

(أبو يوسف) مواطن كادح، لم تعطه الحياه الكثير، تحمل وتكبد المشاق، لانتزاع وضع معيشي أفضل، طموحاته وآماله وحتى أحلامه لا تعدو كونها محاولات ترمي إلى تحقيق التوازن في كيفية إدارة أسلوب حياته بالطريقة التي يجدها كغيره آمنه لأسرته.