الشموطي عزيز في موطنه

اجراءات العدوان والحصار قلّصت مساحة بيارات الحمضيات بغزة من 75 ألف دونم إلى 10 آلاف فقط

- تكاليف الانتاج ارتفعت في السنوات الأخيرة واتجه المزارعون الى الزيتون الأكثر احتمالا للملوحة

غزة - الحياة الجديدة- نادر القصير - "لم أكن أتخيل بأن يأتي اليوم الذي أرى فيه بيارتنا الخضراء المرصعة بالذهب الأصفر، وهي تتحول إلى حقول جرداء ومرتعا للأعشاب البرية، ولم يخطر ببالنا أن موسم البرتقال والحمضيات الذي ينتظره العمال للقطيف، وأصحاب الشاحنات للنقل، والتجار للتصدير من بيارات الجانب الشرقي لقطاع غزة، كل هذا المشهد الجميل تحول الى كابوس بفعل الجرافات الإسرائيلية وأصبحنا نشتهى برتقال أرضنا بعد أن سرقوا مياهها ولم يتبقى فيها سوى مياة مالحة غير صالحة للزراعة وأثرت على ما تبقى من محصول الحمضيات في غزة". هذا ما قاله أبو احمد الصوفي أحد أصحاب بيارات البرتقال سابقا شرق محافظة رفح وقد بدت علي قسماته حسرة الذكرى التي كانت تمثل للمزارعين مبعثا للفخر ومصدرا دخل مادي مميز.

 

تراجع الإنتاج

واشتهر القطاع طوال العقود الماضية بزراعة أشجار الحمضيات بأنواعها كافة، وتحديدا في المناطق الحدودية التي كانت تضم نحو 60% من حقول الحمضيات الموجودة في غزة، ولكن خلال الفترة الحالية اختلف الأمر كليا، فتقلصت مساحة الأراضي المزروعة بالحمضيات وتراجع حجم الإنتاج المحلي وأصبح قطاع غزة يعاني من نقص حاد في بعض أصناف الحمضيات نتيجة تجريف قوات الاحتلال الإسرائيلي الأشجار المعمرة منها، فبعد أن كان قطاع غزة يشتهر بزراعة الحمضيات وتصديرها أصبح يستوردها.

ويقول أشرف أبو جلالة المتخصص في المجال الزراعة والبيئة ان إجراءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي التعسفية على مدار 45 عاما تسببت في تناقص الأراضي المزروعة بالحمضيات من 72 ألف دونم في سبعينيات القرن الماضي في قطاع غزة، إلى نحو 15 ألف دونم منها عشرة آلاف دونم فقط مثمرة.

وبين أبو جلالة ان  الإنتاج المحلي من الحمضيات تراجع في غزة من 275 ألف طن سنويا إلى 23740 طن فقط خلال الأعوام القليلة الماضية، بينما يحتاج قطاع غزة لتحقيق الاكتفاء الذاتي نحو 34 ألف طن، وباتت أصناف مثل برتقال الفالنسيا والشموطي في طريقها للاندثار لرخص ثمنها وعدم قيام المزارعين بزراعته.

أما المزارع عمر ماضي فأوضح أن التصدير كان يفوق 200 ألف طن ولكن اليوم أصبحت الكميات ضئيلة ولا تكفي حاجة المواطن وهناك عجز حوالى 35% السبب تراجع في عدد المساحات الزراعية وتجريف الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 40 ألف دونم خلال انتفاضة الأقصى والحروب الثلاث والزحف العمراني والكثافة السكانية ما يضطر البعض إلى تجريف الأراضي والبناء عليها، مبينا أنه على مستوى العائلة لديه في منطقة "موراج" التي تقع بين محافظتي رفح وخانيونس وكانت تحتوى على عشرات الآلاف من أشجار البرتقال والحمضيات بأنواعها، إلا أن جزء منها قامت قوات الاحتلال بتجريفه، وجزء آخر تلف بسبب منع المزارعين لسنوات من الوصول له خلال انتفاضة الأقصى حيث تحولت الى منطقة عسكرية لسنوات، وبالتالي تلف العديد منها، هذا بالإضافة إلى أن العائلة تتكاثر ويحتاجون للبناء والمعمار من حين لآخر لإسكان أولادهم كذلك كان سببا رئيسيا في تراجع زراعة الحمضيات ونوعيتها وجودتها.

ويضيف ماضي: كما أن الحصار الذي فرض على القطاع أدى إلى ارتفاع مستلزمات الإنتاج وملوحة المياه أدت إلى تراجع في زراعة الحمضيات واضطر المزارعين إلى زراعة شجر الزيتون لأنه يحتاج إلى ملوحة عالية.

أما المزارع حمدان ضهير (64 عاما) الذي جرف الاحتلال مئات الدونمات المزروعة بالحمضيات في أرضه الواقعة في منطقة موراغ جنوب قطاع غزة أن القطاع كان يشتهر بزراعة البرتقال بأنواعه "الشموطي والبلنسيا" و"الكلامنتينا"، منوها إلى أن نحو 60% من الأراضي الزراعية المنتجة للحمضيات تقع بالقرب من الشريط الحدودي سواء من الشمال أو الشرق وتم تجريفها بشكل كامل، وأعيد زراعة نحو 10% منها فقط وتحتاج إلى مدة زمنية طويلة حتى يتم الاستفادة منها.

وقال إن معظم ما ينتج من البرتقال يوزع على الأسواق، بينما يباع المتبقي منه إلى مصانع العصير، وبين ضهير أن ما تبقى من الحمضيات خاصة البرتقال يستخدم فقط للعصير لتدني جودته، ولم يعد يصدر خارج غزة، فيما ينتهي الكريب فروت في وقت ضيق لا يتجاوز الشهر، لافتاً إلى أن البرتقال بأنواعه وباقي الحمضيات التي تعتبر زراعتها موسمية تتوفر عادة في الأسواق حتى نهاية العام.

وأوضح ضهير أن هناك بعض الأنواع من البرتقال كالشموطي كانت تزرع في منطقة بيت حانون، وقد تم تجريف أشجاره بالكامل بعد العمليات العسكرية التي كان يشنها الاحتلال على الأراضي المجاورة لمناطق التماس، كما تم تجريف ما تبقى منها خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، بعد أن كان إنتاج مدينة بيت حانون وحدها يصل إلى نحو 15 ألف طن.

 

شحيح وغالٍ

المواطن ناصر عبد الرحمن  اشتكى من ارتفاع أسعار البرتقال بعد أن سأل البائع، الذي أجابه أن سعر كيلو البرتقال 4 شواقل، معربا عن استغرابه أن يسمع هذا السعر في وطن الحمضيات، وترحم على الأيام الخوالي التي كانت فيه البيوت لا تخلو طوال الموسم من أنواع البرتقال المختلفة، مشيرا إلى أن السعر أحيانا يصل إلى 7 شواقل للكيلو الواحد مما يحرم الكثير من الغزيين من شراء الحمضيات التي كانوا تاريخيا يصدرونها للعالم.

أما بائع البرتقال أحمد عقل فيؤكد أن الحمضيات في قطاع غزة ونوعيتها بالنسبة للأنواع التي يتم استيرادها أصبح فيها الفرق واضحا وحتى على مستوى الإقبال كان الشموطي عندما ياتي من بيت حانون تكون هناك لهفة كبيرة عليه لطعمه، ولكن الآن المياه المالحة أثرت على منتجات الحمضيات بشكل عام، وأصبح المواطن ينتظر دخول المستورد منها م إسرائيل،مشيرا إلى أن ما ينتجه قطاع غزة لا يكفى لطلب السكان من ناحية أغلبية الأنواع الموجودة تستخدم للعصير، وجودة المتوفر منها تراجعت أمام المستورد، مبينا أن الاحتلال أفقد غزة كل شيء حتى أهم محاصيلها.