هيا، ليعترف بالقدس

هآرتس – تسفي برئيل

الرئيس الاميركي سيحسن صنعا اذا اعلن أنه يعترف بالقدس كعاصمة لاسرائيل، وحتى أن يحدد متى بالضبط ينوي نقل سفارة دولته الى عاصمة "الدولة اليهودية". اذا كان هذا الاعلان سيثير عاصفة في الشرق الاوسط، ويخرج الفلسطينيين الى الشوارع، و "ينهي احتمال العملية السلمية"، كما يحذر الرئيس المصري وملك الاردن، فليكن ذلك. من الافضل أن يسجل دونالد ترامب على اسمه تدمير العملية السلمية، وليس بنيامين نتنياهو. من الافضل أن واشنطن التي دائما تظاهرت بالتهديد والسذاجة أن تأخذ على مسؤولية فعالة عن الضرر السياسي المباشر الذي سينتج عن تصميم ترامب تنفيذ صفقة القرن.

وفي نفس المناسبة يجدر بالرئيس أن يوضح عن أي قدس يتحدث، هل التي تضم الأحياء الجديدة التي سيدفن فيها مخيم شعفاط للاجئين أو كفر عقب، أو من دونها، في مخطط ضم معاليه ادوميم وهار حوماه وجفعات زئيف واحياء اخرى، أو أن هذه مشمولة في الصفقة. ليرسم اخيرا حدود القدس كما سيتم الاعتراف بها من قبل الولايات المتحدة، وهكذا على الأقل في هذه المدينة نعرف ما هي الحدود النهائية. ولكن اذا اعلن ايضا انه يعترف بكل مساحة القدس الاصلية والتي تم ضمها الى عاصمة اسرائيل فانه ينهي بذلك واحدا من الصراعات السياسية الفارغة التي رافقت اسرائيل منذ حرب الايام الستة. ترامب سيقرر واسرائيل ستقوم بجمع الشظايا.

حول ماذا هذه الضجة بالضبط؟ هل على مدى عشرات السنين التي لم يتم فيها الاعتراف بالقدس كعاصمة لاسرائيل نجح أحد ما في حل النزاع؟ هل كان هناك أي رئيس اميركي اقترح اعترافا بالقدس مقابل انسحاب اسرائيلي من المناطق، أو حتى فقط مقابل وقف البناء في المستوطنات؟ اطلاقا. اذا ليعترف بدون خوف عن القدس كعاصمة لاسرائيل. هذا سيكون أحد القرارات الهامة في العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة وكل العالم. سيتم الاثبات أخيرا أن الولايات المتحدة بالفعل تستطيع أن تقرر بدل الدول المتورطة في النزاع، ولينفجر العالم. هذا هو اسلوب ترامب الكلاسيكي. ولكن من المهم أن نذكر أن الرئيس الذي يتبول عكس اتجاه الرياح يمهد الطريق لكل رئيس اميركي سيأتي بعده، ويريد التدخل في النزاع. اذا كان ترامب يستطيع الاستخفاف بالتقليد السياسي الاميركي دون أن يتضرر، فما الذي سيمنع الرئيس القادم (وحتى ترامب نفسه) أن يتخذ المزيد من القرارات التي تغير السياسة، مثلا أن يفرض انسحابا من المناطق؟

الاعتراف بالقدس سيمنح ترامب الحق في مطالبة اسرائيل بالثمن المتعارف عليه في صفقات كهذه. فقد سبق أن قال إنه يتطلع الى عقد صفقة وليس لمنح هدايا بالمجان. هكذا، اذا كانت اسرائيل اليمينية وحكومتها الراديكالية سترى في الاعتراف بالقدس كهدية فهي ستدرك أن هذه الهدية نهمة حتى لو لم تصل الفاتورة حالا. بالنسبة لمواطني اسرائيل، الاعتراف بالقدس لن يغير أي شيء، فهي بشكل تلقائي تعتبر "عاصمة الدولة" حتى دون اعتراف الولايات المتحدة، ولكن لو كنت أحد رجال اليمين لكنت أتوسل لترامب أن يترك القدس وشأنها، لأن الثمن الذي سيكون مقترنا بالاعتراف بها لا يستحق ذلك. اذا كان صديقا حقيقيا لاسرائيل، فليتمسك بالموقف الاميركي التقليدي المتفرج، وأن لا يثير العاصفة. هذا هو الموقف الذي يحبه اليمين من كل رئيس اميركي، ألا يفرض علينا الدفع مقابل هذه الرشوة التي تسمى الاعتراف بالقدس.

في المقابل، القدس تستحق الاعتراف الاميركي والدولي كعاصمة لاسرائيل. فهي تمثل لب الصراع الاسرائيلي الداخلي. وهي مقسمة ليس فقط بين العرب واليهود، بل ايضا بين اليهود فيما بينهم، بين المتدينين والعلمانيين، بين اليمين واليسار، بين حكومة منقطعة وبين جمهور محبط، بين سحق القيم وحقوق الانسان وبين الليبرالية، لا يوجد شعار أكثر وضوحا من القدس للاتكاء عليه من قبل الدولة اليهودية.