نبض الحياة - الدولة وتهافت الإسرائيليين

عمر حلمي الغول

هناك حالة أرق تاريخية في الأوساط الإسرائيلية، تلاحقهم في نومهم ويقظتهم من تمسك الفلسطينيين بتكريس دولتهم القائمة بالوجود الفلسطيني على الأرض، وبالاستناد لقرارات الشرعية الدولية، وباعتراف دول العالم بها عبر تقرير المصير، وإزالة الوجود الاستعماري الإسرائيلي عن اراضيها وترسيم الحدود النهائية بين فلسطين وإسرائيل على أساس حدود الرابع من حزيران 1967. وهذا الأرق والرعب من حقيقة وجود الدولة الفلسطينية يعود إلى الآتي: اولا عملية غسل الدماغ التاريخية التي نفذتها الحركة الصهيونية في اوساط اليهود الصهاينة، وتزويرها للحقائق والتاريخ والرواية؛ ثانيا إنكار وجود وحقيقة وجود الشعب الفلسطيني، مع انهم كل صباح ومساء يصطدمون بالوقائع والشواهد على أرض فلسطين التاريخية وبميراثها الفلسطيني العربي؛ ثالثا الخشية من المستقبل، حيث لا يعتقد الإسرائيليون بإمكانية مواصلة حياتهم ضمن الدولة الإسرائيلية في حال استقلت دولة فلسطين وزال الاحتلال الإسرائيلي؛ رابعا خشيتهم من تغير موازين القوى في المنطقة والعالم، وانعكاس ذلك على معادلة الصراع،  والحؤول دون بقاء الحال على ما هو عليه.

لما تقدم تعمل القيادات الإسرائيلية بتواتر على تحقيق أكثر من هدف منها: اولا مصادرة وتهويد أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية؛ ثانيا توسيع وتعميق عملية الاستيطان الاستعماري الإسرائيلية؛ ثالثا تبديد أية تسوية سياسية تفتح الأفق لتكريس الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967؛ رابعا الدفع بخيار حل الدولة الفلسطينية في سيناء مربوطة مع غزة. وهو ما راهنت عليه المشاريع الأميركية والإسرائيلية من خمسينيات القرن العشرين وحتى الآن.

ولعل تصريح جيلا غامليل، وزيرة المساواة الاجتماعية في العاشر من الشهر الحالي، الذي دعت فيه بشكل واضح إلى رفض وجود الدولة الفلسطينية بين البحر والنهر، وقالت "إن الدولة الفسطينية فكرة خطيرة على دولة إسرائيل". وأشارت إلى أن "هذه مشكلة إقليمية، وليست مشكلة إسرائيلية". وتابعت بصلف وتبجح استعماري قائلة، إن المنطقة ما بين البحر والنهر "لا يمكن أن تكون إلا لدولة "إسرائيل" لأسباب آيديولوجية وأمنية". وخلصت غامليل إلى قبولها وسماحها "بإقامة دولة فلسطينية فقط في سيناء". بذلك لخصت الوزيرة الاستعمارية الرؤية الصهيونية المعادية لخيار السلام والتعايش، وأعلنت باسم قوى الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم على تعميد وتكريس سياسة النفي الاستعمارية الإسرائيلية للشعب الفلسطيني وروايته وتاريخه وميراثه الوطني والقومي، وحتى نفيها وشطبها للقرارات والمواثيق والشرائع ومرجعيات عملية السلام الدولية، التي أكدت جميعها على حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته على أرض وطنه الأم.

مع ذلك الدولة الفلسطينية الموجودة فعلا من خلال وجود الشعب الفلسطيني على أرضه استنادا لحقوقه التاريخية وقرارات الشرعية الأممية، ونتيجة لإصرار القيادة والشعب على التمسك بالثوابت الوطنية، وتعزيز السيادة الوطنية بالقدر المتاح،  وبفضل التأييد والرغبة العالمية بضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني من خلال استقلال دولته المحتلة عام 1967 عن دولة الاستعمار الإسرائيلية ستبقى، رغما عن غامليل ونتنياهو وبينت وليبرمان وغيرهم من قطعان المستعمرين. ولم يعد العالم مستعدا للتغطية على الاعيب وهرطقات إسرائيل الاستعمارية بعد مضي قرابة السبعين عاما. آن الآوان لطي صفحة الاستعمار الإسرائيلية بما يؤمن السلام والتعايش والعدالة النسبية والمقبولة فلسطينيا. ولعل المطلوب الآن رفع الصوت الإسرائيلي المؤيد لخيار التسوية السياسية أكثر فأكثر، والتصدي للنزعات الاستعمارية الموغلة في دهاليز منظومتها الفكرية الرجعية والمعادية للسلام. وآن الآوان لإيقاف التهافت الاستعماري الإسرائيلي، وعيش الواقع كما هو، والاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه، لإنه دون ذلك ستبقى دوامة العنف والإرهاب جاثمة على صدور شعوب المنطقة برمتها وفي المقدمة منها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي.

[email protected]