تغريدة الصباح - أخي ورجال زمان

حنان باكير

في عالم بائس كالذي نحياه، وحين تنعدم القيم الإنسانية، وينفتح صندوق "باندورا"، وتنفلت منه كل الخطايا والرزايا، فلا ملاذ لنا إلا العودة الى زمن نعتبره جميلا بكل تفاصيله، وإن لم نشعر بجماله، حين عايشناه.

وهذا شأن الكثيرين منّا وبضمنهم أخي الكبير والمتشائم دوما. فما ان تسأله عن الأوضاع والأحوال، يبدأ حديثه بالسلبيات والانتهاكات الأخلاقية والإنسانية لكل ما حوله، قبل أن يبدأ بسرد حكاياه القديمة عن أناس زمن مضى، عاقدا مقارنة بين الزمنين، وبين أناسهما، وينتهي بقوله: هؤلاء الرجال انقرضوا من زمان!

في أحد الحوارات مع أخي، عن شخص نعرفه، قادنا الى الحديث عن بعض تاريخ ذلك الإنسان. كان "سهيل"، وهذا اسم مستعار.. من قبضايات عكا قبل النكبة. وكان يفرض الخوة، على بعض رجال الأعمال. كانت عضلاته المفتولة ومهابته، وسمعته كرجل شجاع لا يعرف الخوف، مصادر سطوته. كان الرجل يفرض الخوة، ويمارس التشبيح، على الشاحنات التي تنقل البضائع، الى عكا. ومن بينها شاحنة تحمل الصابون النابلسي، وتأتي الى عكا بشكل متواصل. فيدفع السائق الخاوة، دون جدل أو نقاش. علم صاحب مصنع الصابون النابلسي "عبد الله"، وهذا ايضا اسم مستعار، بالأمر. فقام بمرافقة إحدى الشاحنات الى عكا. وحين أوقفه القبضاي، سهيل، نزل من الشاحنة، تحدثا ودار بينهما حوار انتهى بسؤاله: ما الذي تريده من الشاحنة؟ بضع ليرات! وأنت تعرف أن هذا الأمر مناف للدين والأخلاق؟! نحن فلسطينيان، ولسنا فلسطينيا ويهوديا! والأجدر أن تجد عملا شريفا.. فهل ترغب في اقتناء مثل هذه الشاحنة، تعمل عليها وتدر لك مالا حلالا، بدلا من فرض الخوات؟ أجاب القبضاي: هذا حلم حياتي!

حصل القبضاي على شاحنة، من الرجل، يعمل عليها ويسدد ثمنها بالتقسيط المريح.. مرت سنوات قليلة، وصار للقبضاي، شاحنة أخرى وسيارة.. ثم افتتح مكتبا للسفريات، وتوطدت علاقة الرجلين، العكاوي والنابلسي.. وربطتهما صداقة متينة وعلاقة عمل وتعاون.

نكبة العام 1948، التي بعثرت الناس، وألقت بالقبضاي العكاوي، في لبنان. فعمل في المجال الذي برع فيه، فأنشأ مكتب سفريات، وتدرج وتوسع في عمله، حتى أصبح من الأثرياء. أما النابلسي فبقي في وطنه. كانت الظروف أعقد وأشد قسوة، وفوق طاقة احتمال الرجلين، على تجاوزها، للحفاظ على التواصل، فدروب الفلسطيني ممهدة بالأشواك والأسلاك الشائكة. مرت السنون، وعاد التواصل عبر الأردن، برسائل تصل متقطعة وفي أحيان متباعدة، وتقتصر على الاطمئنان.

ذات يوم.. سهيل العكاوي يجلس، على رأس طاولة طعام فخمة، في بيته الراقي في منطقة الخندق الغميق في بيروت.. يتناول طعام الغداء مع عائلته الكبيرة، فقد كان لديه كتيبة من الأولاد. يُقرع جرس البيت. ينهض الأب، يفتح الباب، ليجد أمامه شابا أنيقا. وسرعان ما قدّم نفسه، كان ابن صديقه النابلسي، لم يفسح العكاوي المجال للشاب لمتابعة حديثه، احتضنه وأدخله البيت، وتنازل له عن مقعده الى الطاولة.. ووسط دهشة الزوجة والأبناء، وقف الأب خاطبا: أرأيتم كل هذا العز الذي تنعمون به.. وهذا البيت الفخم والطعام الشهي.. ولحم أكتافكم.. هو من خيرات والد هذا الشاب! وقصّ عليهم حكاية نجاحه. وحين انتهى الجميع من تناول الطعام، سُمح للضيف أن يتكلم.. فقد كان الشاب يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد حرب الـ 67، واجه الوالد مشكلة في تحويل المال من الضفة الغربية، عبر الأردن الى بيروت، فأرسل له والده عنوان صديقه، في حال تأخر وصول الحوالة المالية، إذ لم تكن التحويلات بسهولة هذه الأيام وقد حان موعد دفع قسط الجامعة، وحانت الفرصة لرد الجميل بعد سنوات طويلة!

ختم أخي حديثه: جميل الوفاء، والأجمل منه، هي المحبة بين البشر.. "هادول رجال، وين بعد في متلهم"! وحين ذكرته بقول الشاعر.. رب يوم بكيت فيه فلما/ صرت في غيره بكيت عليه. دعاني الى عدم التشاؤم.. وأنه ما زال في الدنيا خير ومحبة!!