ماري انسطاس ريادية ملهمة..!

استراحة الحياة- أسامة العيسة- يُنظر لماري انسطاس (80 عاما)، كواحدة من أكثر نساء بيت لحم إلهامًا، فهي امرأة ريادية متعددة الأنشطة والاهتمامات، يمكن رؤيتها في معظم المناسبات والفعاليات الاجتماعية والخيرية والفنية، تنشط في الجمعيات الخيرية وتشجع الاقتصاد المنزلي، وأخيرًا تأليف الكتب.

عاشت مفاصل تاريخية عديدة، كالنكبة، والنكسة التي كانت خلالها شاهدة على قتل جيش الاحتلال لجيران وأصدقاء لها، وجاهزة دائما لتقديم العون، أو النصائح، أو الحكايات القديمة.

النكبة نكبت التعليم

تعيش ماري انسطاس في حوش داود في شارع النجمة المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ويعتبر الحوش الذي تسكن فيه مع عائلات أخرى، نموذجا للعمارة الفلسطينية التقليدية في بيت لحم القديمة، وتستقبل بشكل دائم زوار وسائحين، يجذبهم الحوش الذي يمكن منه مشاهدة منظر ملفت لكنيسة المهد، وتقدم ماري للزوار الذين تستقبلهم بحرارة، شرحا عن الشارع والكنيسة وغير ذلك مما يتعلق بتاريخ مدينة بيت لحم.

وتدعو ماري دائما إلى إعادة الاهتمام بالشارع، الذي كانت تدب فيه الحياة يوما ما، ولكن تراجعت أهميته، خلال الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وما يسميه الأهالي "سوء الإدارة" من قبل المسؤولين المحليين.

تحافظ ماري التي تظهر دائما أنيقة، على أسلوب حياة حديث، ينتمي إلى حداثة ستينات وسبعينات القرن الماضي، عندما كانت الملامح المدينية هي الأبرز في حياة الناس في فلسطين، وفي الوقت ذاته لديها شغف غير محدود بالهوية والجذور وبالورود التي تزين مداخل منزلها، أما في داخل المنزل فيمكن رؤية نماذج عديدة من المشغولات التراثية الفلسطينية.

تصف ماري نفسها بأنها مثقفة وليست متعلمة، وتعتبر أن النكبة التي حلت بشعبنا في عام 1948م، نكبتها شخصيا فيما يتعلق بإكمال تعليمها.

تستذكر ماري: "عندما وقعت النكبة كنت أدرس في مدرسة بنات بيت لحم الحكومية الواقعة في قصر عمي ميخائيل قوّاس، والمعروفة الآن باسم مدرسة المسعودي، فأغلقت المدرسة، وكنت آنذاك في الصف السادس، وعندما أُعيد فتح المدرسة، تم استحداث نظام جديد، فالصف السابع أصبح الأول الثانوي، وقررت المديرة إيلانا بطرس، لأسباب غير مفهومة، صرف جميع بنات صفي، فبحثت عن مدرسة جديدة، لم نكن نحن بنات مدارس الحكومة مرغوبات في مدارس الراهبات الخاصة، ولم تكن لدي وساطة قوية لدخول هذه المدارس، فلم أتمكن من الالتحاق بأي مدرسة خاصة، فقررت تعلم الخياطة، وأتقنتها".

أنجبت ماري عشرة من البنين والبنات، وحرصت على تعليمهم، كي لا يُنكبوا كما نُكبت، وتفخر بانهم جميعا تلقوا تعليما أكاديميا عاليا، فمنهم الأطباء والمهندسين وحملة الدكتوراة، وتقول بأنهم كان يلبسون مما تخيطه وهو ما يجعلها دائما فخورة.

العمل التطوعي الاجتماعي

بعد الزواج خصصت ماري كل وقتها لأسرتها ولزوجها، وبعد أن أنهى الأولاد تعليمهم، وقضائها ثلاث سنوات في المنزل تعتني بزوجها المريض قبل أن يرحل، قررت التوجه للعمل التطوعي المجتمعي، فنشطت في الاتحاد النسائي في بيت لحم، وهو مؤسسة مهمة وعريقة، تدير متحفا للتراث البيتلحمي، وتعنى باقتصاد النساء وتسويقه كالتطريز والمأكولات التقليدية، وبجمع التراث الشعبي.

ومن المؤسسات المهمة التي تنشط فيها ماري، جمعية حاملات الطيب، وهي مؤسسة أرثوذكسية، وقدر المطران عطا الله حنا دورها الذي وصفه بالمتميز في الجمعية.

وبالإضافة إلى جمعية حاملات الطيب والاتحاد النسائي، تنشط ماري أيضا في نحو خمس مؤسسات أخرى، فهي مثلا عضوا فاعلا في برنامج أجيال التابع لمؤسسة ديار، والذي صدر عنه عدة كتب عن التراث في بيت لحم كالأغاني والزغاريد الشعبية، وفي مؤتمر المؤسسة الأخير الذي عقد الشهر الماضي في دار الكلمة في بيت لحم تحدثت ماري أمام الحضور مستذكرة ما جرى في بيت لحم خلال احتلال المدينة في عام 1967م.

وجمعت ماري، بجهد فردي، الزغاريد، والأمثال، ومناسبات الأعياد وغيرها، لنقله إلى الأجيال المقبلة، فهي حريصة جدا في كل ما يتعلق بالهوية الفلسطينية.

وعلى جدار قديم في منزلها، يمكن رؤية صور عديدة مما يمكن اعتباره جزءا من أرشيفها الذي يؤرخ لمراحل مختلفة من حياتها وحياة العائلة، أما في صدر صالون المنزل، فتلفت الأنظار لوحة مؤطرة تظهرها بالزي النسائي البيتلحمي التقليدي.

ألف مَثل ومثل من فلسطين وبلاد الشام

تقود ماري سيارتها بنفسها، وهي كثيرة التنقل والسفر، وخصوصا إلى الولايات المتحدة الأميركية، لتمضي أوقاتا رفقة الأبناء والأحفاد، وخلال إحدى الزيارات سمعها الكاتب شوقي إبراهيم قسيس، صاحب رواية (حيفا ليست قرطبة) تذكر بشكل دائم أمثالا شعبية، فعرض عليها تأليف كتاب مشترك، وصدر فعلا بمشاركة كمال انطون عيسى حزيون، والذي يضم ألف مَثل ومَثّل من فلسطين وبلاد الشام.

تقول ماري: "يضم الكتاب أمثالنا الشعبية التي رددها آباؤنا وأجدادنا في فلسطين وبلاد الشام عامة، وبعضها يردد في جميع أنحاء الوطن العربي".

وتضيف: "الكتاب لا يشكل دراسة علمية أو أكاديمية تخضع لقوانين وأسس البحث العلمي، ولكنه تجميع لكل الأمثال والأقوال الشعبية التي سمعناها تتردد على ألسنة الناس في فلسطين وفي أقطار بلاد الشام عامة، وكلما أمكن أوردنا معلومات عن المثل تشمل: كيف يقولونه في الأقطار والمناطق المختلفة، المناسبة أو الحالة التي يضرب فيها المثل، القصة من وراء المثل إن وجدت، وما يقابل المثل في أشعار العرب، وفي الأمثال والحكم العربية على مر العصور، وفي لغات أخرى".

ولكن الجهد الأكاديمي، يظهر في فصول الكتاب المختلفة، ومنها الفصل الأول (في الأمثال ومدلولاتها وقيمها)، وهو عبارة عن دراسة علمية، تتبع فيها المؤلفون مدلولات المثل اللغوية، وجذوره الشعرية، والقولية، والأدبية، ولدى شعوب الشرق القديم.

ومن الدراسات المهمة في الكتاب، ما يتعلق بالمواسم والشهور والأعياد، ويتوقف المؤلفون عند المواسم الزراعية وعلاقتها بالأعياد في فلسطين، وتتبعوا علاقتها بحياة الناس اليومية في المشرق العربي بشكل عام، وفي فلسطين على وجه الخصوص.

يكشف الكتاب عن الجهد الكبير الذي بذلته ماري، وقسيس، وحزبون، في جمع الأمثال، وليس فقط دراستها، ووضعها في سياقها، ولكن أيضا إعداد فهرس أبجدي لها في نهاية الكتاب، لتسهيل الوصول إلى أي مثل من قبل الباحث أو القارئ.

أشاد كثيرون بكتاب ماري ورفيقيها، واعتبر المؤرخ خليل شوكة، الكتاب، اغناء للمكتبة الفلسطينية بتراثنا العريق: "لأنه يعبر ويذكر عن حوادث متعددة قيلت فيها الأمثال وهي من تجارب شعبنا في حياته الطويلة".

تشعر ماري، بحزن، وهي تتحدث عن الكتاب، بسبب غياب رحيل زميلها شوقي قسيس، الذي تكن له كل ود، وتقول بأنها لطالما قدرت وطنيته العالية، ومهنيته، وإخلاصه، وتدعو لقراءة روايته (حيفا ليست قرطبة) التي وصفها بأنها تشكل: "حكاية غير كاملة لجيل فلسطيني ولد مع إتمام عملية السطو المسلح على فلسطين".


ماري تستقبل زواراً في منزلها.