خيار الاستفزاز

معاريف – ران ادلست

بطارية الصواريخ التي اصيبت في سوريا لم تهدد أمن الدولة. بدلا منها ستأتي اثنتان أكثر تطورا. جمع معلومات استخبارية؟ ربما. وربما لا. "تنسيقات مع الروس؟ الى أن يكسر احد ما قواعد اللعب والقصة كفيلة بان تتدحرج الى جولة قتالية اخرى.

نحن نطير في لبنان ونقصف في سوريا لأننا نستطيع، واصابة البطارية جاءت لتثبت ذلك. ومن الآن فصاعدا فلتعلم كل أم عبرية بأنه اذا ما نشبت حرب، فهذه هي الحرب لانقاذ الحكومة، وهي ستدار على ظهر وحياة مواطنيها. منذ اليوم، امام ناظرينا تماما، تتشكل الظروف التي ستؤدي الى حرب اخرى عديمة المعنى. في نهاية المناورة الكبرى قبل نحو شهر قال رجل المدرعات العميد نداف لوتان لقيادة اركانه: "هذا لقاؤنا الأخير قبل الحرب". لا حاجة للنزول الى الملاجئ بسبب قول هو جزء من نمط التفكير الذي يعزز فيه رجال الجيش احساس الالحاح، ويكاد يكون هذا على ما يرام. المشكلة هي السياسيون.

لقد قال وزير الدفاع افيغدور ليبرمان انه لا يهمه اين ستنشب المواجهة التالية، في الشمال أم في الجنوب، "فانها ستصبح معركة في جبهتين...". هذا بالفعل هو أحد السيناريوهات التي يستعد لها الجيش الاسرائيلي، لأن هذه هي مهمته. اما مهمة السياسيين فهي استغلال الهدوء الذي حققه الجيش الاسرائيلي في الشمال لصالح التسوية وليس ادعاء البطولة في الحرب في صالح الانتخابات التالية. فقد قال ليبرمان انه "من ناحية الجبهة اللبنانية، هذه ليست حزب الله فقط. فالجيش اللبناني هو تحت قيادة حزب الله".

لعل ليبرمان فوت استعراضا استخباريا ما بسبب مباراة تنس (المكان الوحيد الذي سمع فيه صفير الكرات – الرصاصات، مثلما قالوا عنه في مركز الليكود قبل شهر من تعيينه)، إذن لعلمه: حزب الله يتعاون مع جيش لبنان غير أن اسرائيل لن تهاجم في لبنان في صيغة عقيدة الضاحية (تدمير البنى التحتية)، لأن الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا (اللواتي تسلحن الجيش اللبناني) تعارض الهجوم وتساند سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان. وأنا جد آمل ألا تكون الحكومة توشك على تكرار خدعة حرب لبنان الأولى، حين ارتبطنا بمعارضي الشيعة.

ان المصلحة المشتركة لترامب ونتنياهو هي الهجوم في سوريا لشطب عار الهزيمة. مرغوب فيه بلا ضحايا اميركيين. اما في اسرائيل، ويا له من مريح، فلترامب الكثير من الجنود والطيارين المنضبطين. ولحظنا فقد تقلبت النوازع. هيئة اركان الجيش الاسرائيلي قتالية ولكنها تفكر سياسيا، والسياسيون يفكرون عسكريا – عصابيا. الديمقراطية ملزمة وما شابه، وما هو كفيل بدحرجة الحرب التالية هو حلف المنبوذين والمصالح المشتركة بين ترامب ونتنياهو، وعار هزيمة الاثنين اللذين فقدا الشمال (ترامب مهزوم في كوريا الشمالية ايضا).

المصلحة الأولى هي النجاة من التحقيقات التي تجري ضد الرجلين في ظل تهديد التنحية المكللة بالعار. فسواء في تحقيق روبرت مولر في الولايات المتحدة ام في تحقيق شرطة اسرائيل طرأت في الزمن الاخير تطورات دراماتيكية. لعل كل هذه لا تقرب النهاية الفورية للرجلين، ولكنها ترفعهما الى طريق آلام التدحرج في الزفت القانوني والريش الاعلامي. اما المصلحة الثانية فهي محاولة اخفاء خرائب الانهيار الشامل للسياسة المشتركة بينهما في سوريا من خلال "الهجمات".

ترامب مضروب من كل الجوانب: كان يفترض بالأميركيين أن يدخلوا العراق تحت مظلتهم. هذا في شك كبير اذا اخذنا بالحسبان الاغلبية الشيعية في الدولة والتدخل الايراني في القتال ضد داعش. ضربة اخرى: اهمال سياسي لا يصدق عقب الفوضى في عمل البيت الأبيض، وزارة الخارجية والبنتاغون أدت الى أن الاكراد والجيش العراقي – وكلا الطرفين مسلحان، مدربان ومدعومان لوجستيا وعسكريا من الأميركيين – يتبادلون اطلاق النار في كركوك.

 

الحقيقة المرة

الضربة الأكثر ايلاما لترامب ونتنياهو هي استقرار الاتفاق النووي. المتذاكون يجدون فيه الثقوب، ولكن ايا منهم ليس لديه بديل، وبالتالي فانهم يصرخون على "الصواريخ الباليستية". ليس في الاتفاق كلمة عن الصواريخ الباليستية لأن واضعيه فهموا ما لا يفهمه محللونا. في الشؤون الايرانية ايران هي المهددة التي تحتاج الى الدفاع عن النظام والمواطنين من خلال القنبلة والصواريخ، دون الحديث عن صدمة الهجمتين الأميركيتين على العراق المجاور بينما يسمعون من اسرائيل والولايات المتحدة بأنهم التالين في الدور، وهنا يأتي براك اوبما ويعطل القنبلة.

ان القشة التي قسمت ظهر ترامب هي فشله في تحدي الاتفاق، والقشيشة التي قسمت ظهر نتنياهو هي الاتفاق بين السلطة وحماس. لم يسبق ان كان تهديد مباشر على السيطرة في المناطق مثل حكومة فلسطينية موحدة تتوجه نحو الانتخابات.

لقد بقي الصداع الايديولوجي مثلما كان بالضبط مثل الصدع بين اليمين واليسار في اسرائيل منذ قيام الدولة. اسرائيل تطالب بتفكيك السلاح والانفاق ووقف العمليات. المبدأ صحيح، ولكن التطبيق منوط بتفكيك الحصار وانهاء التصفيات والاعتقالات العابثة.

الحقيقة المرة: كل الفلسطينيين، حتى آخر المعتدلين منهم، يريدون الابقاء على الخيار العسكري. فهم يتذكرون كل حملة دخل فيها الجيش الاسرائيلي ودمر. صحيح أن هذه ردع وهمي حيال الجيش الاسرائيلي، ولكن عندما تكون مدحورا نحو الحائط بجرافة، حتى الاظافر تكون خيارا. واذا كانت حكومة نتنياهو مدحورة نحو الحائط، فان حتى الاستفزاز هو خيار. آمل أن يكون في التسوية مع مصر توافق على وقف التصفيات. فتصفية احمد الجعبري، الذي كان سلف يحيى السنوار وكان كفيلا بان يدير المفاوضات مع اسرائيل، سلسلت ردود الفعل الى حملة "عمود السحاب".

مثلما في كل حالة من التدحرج نحو الحرب، المسائل هي استراتيجية وتكتيكية على المستوى السياسي، العسكري والنفسي. فالحالة العقلية لترامب ونتنياهو هي جزء من عملية اتخاذ القرارات. لقد شخص ترامب كصبياني، مغرور، مثابة نوع من دودو توباز الذي اقلع وانفجر. اما نتنياهو فهو حالة اصعب بسبب الاقنعة والدروع. ما يجعله نوعا من الزمبي الذي لا يتسلل الواقع الى عقله، بل يستوعب مباشرة في منظومة تلقائية تخلق نوبات فورية – هي في المناسبة مشابهة لدى الرجلين. وسائل الاعلام؛ الجهاز القضائي؛ الشعب يحبني؛ تعالي يا ميلينيا نذهب لنلقي لفافات ورق التواليت. مثلا في لونا بارك. من هناك الطريق الى لونا بارك الحقيقية تلوح كطريق قصيرة حتى الخوف.

بعد بضعة اسابيع سينقض "رجال أمن" اسرائيليون في الاحتياط على تلة الكابيتول قبيل قرار الكونغرس حول الاستجابة لطلب ترامب الانسحاب من الاتفاق. بعض من رجال الأمن اياهم سيبحثون في الاروقة التي لا تنتهي من رجل كونغرس الى آخر ليشرحوا بان الاتفاق جيد، بعضهم سيشرح بان الاتفاق سيء. لا يدور الحديث عن خلافات في الرأي بين جهتين بل عن انعكاس الهوة المفتوحة بين الشعبين اليهوديين في دولة اسرائيل. هناك احتمال اكثر من معقول في أن تكون هذه هي المرة الأولى التي تتغلب فيها جي ستريت الى ايباك. كل هذه الفوضى تستحق فقط كي يفهم يهود أميركا أخيرا بان ايباك هي مجموعة الضغط من اليمين الظلامي في اسرائيل وفي الولايات المتحدة.

اذا عملت بريطانيا وفرنسا كما ينبغي، فان ممثليهما هما ايضا سيكونون هناك، ومن ناحيتي فليستخدم بوتين قراصنته الالكترونيين، هذه المرة ضد ترامب. بعد ثلاثة أشهر سيعود ترامب لاقرار الاتفاق. لا شك أن الاتفاق سيبقى على حاله، ولكن ليس واضحا اذا كان ترامب سيبقى على حاله هو الآخر.