أبناؤنا في خدمتك، فقط لا تلمس السيجار

بقلم: عودة بشارات - هآرتس

هل اعتقدتم أن اسرائيل ليست دولة من دول العالم الثالث، وأن الفساد فيها موجود في كل صوب؟ لكن توقفوا هنا، فهي دولة قانون، والشعب لا يقوم باغماض عيونه ليل نهار. مبروك، دولة اسرائيل طاهرة.

سلطة القانون تتهم زوجة رئيس الحكومة بالاحتيال بـ 359 ألف شيكل، خصصت لشراء وجبات من مطاعم فاخرة وتشغيل الطباخين. سادتي، اسرائيل ليست دولة عربية، حيث يكون مبلغ كهذا (أقل من 100 ألف دولار) بصعوبة يكفي لاكرامية يتركها أمير من أي  عائلة مالكة في كازينو في دولة اوروبية. هنا النظام يفيض على الجانبين، عندما يدور الحديث ايضا عن رئيس الحكومة وعائلته.

بعد قليل ربما سيصل ذراع القانون المخيف الى رئيس الحكومة نفسه، بتهمة الحصول على 100 ألف دولار اخرى – ثمن الهدايا التي حصل عليها حسب الاتهام الموجه اليه. صاحب الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. الشعب يخرج الى الشوارع والسياسيون غاضبون والصحف مليئة بالمقالات والعناوين عن طهارة الدولة. شعب اسرائيل حي ويقوم بتنظيف الاسطبلات، الاغيار سيتعلمون مرة اخرى من اسرائيل ما هي سلطة القانون، وماذا يعني الرأي العام! وماذا تعني وسائل اعلام حرة تحارب وتحقق وتشعل النار!.

مع كل الاحترام، كما قال محمد دحلان في حينه، "كله خرطة برطة"، أو حسب التعبير الاسرائيلي الاصلي "كلام فارغ".

إن الجمهور الذي لا يعاقب رئيس حكومة يرسل اولاده براحة بال وحتى بتفاخر لتعزيز احتلال قاس ومتواصل؛ والجمهور الذي لا يعاقب رئيس حكومة بسبب 73 جندي ومواطن اسرائيلي قتلوا في العملية الاخيرة على غزة (سنترك هنا الضحايا الفلسطينيين جانبا، الذين لا يتم احصاءهم)؛ والجمهور الذي يتجاهل هذا الفشل ويركز كل احتفال التطهر الكبير على اتهام خيانة الامانة ببضعة مئات آلاف الشواقل، هو جمهور مثير للشفقة ومحزن ولا يثور إلا بسبب الصغائر.

قبل بضع سنوات حظينا بجهاز عزل رئيس حكومة بسبب مغلفات مالية، لكنه لم يحاسبه على الخروج الى حرب دون كي شوتية، تسببت بـ 166 قتيل اسرائيلي (لنترك هنا الضحايا اللبنانيين والفلسطينيين الذين لا يتم احصاءهم). هذا الجمهور الذي يعيش لا يسأل نفسه لماذا يجب علينا شراء ست غواصات. واذا سأل نفسه فهذا لا يكون من اجل توفير الاموال للتعليم والرفاه، بل من اجل شراء وسائل قتالية اخرى. لا أحد يسأل لماذا يجب علينا استثمار قسم كبير من الميزانية في الأمن، ايضا عندما يكون العالم العربي منشغلا بنفسه ولا يفكر في اسرائيل. هنا يقومون بتنظيف الاسطبلات، باستثناء اسطبلات البقرات المقدسة.

إن الرسالة لكل زعيم هنا واضحة: افعل كل ما تشاء، وفقط لا تتورط مع الوجبات الفاخر، السيجار والشمبانيا. ابناؤنا وبناتنا في خدمتك، وسيقفون في الحواجز في المناطق المحتلة، وسيذهبون لتنفيذ عمليات جريئة خلف الحدود وفي دول بعيدة جدا. الاساس أن تكون طاهر اليدين، أيها الزعيم العزيز.

مشروع التطهير الكبير الذي يغرق الدولة بسبب صواني الطعام، في ذروته الآن. جميعهم أبطال على السيجار والشمبانيا. أي خزي للمثقفين، أي بصقة في وجه الانسانية. إن اعصار ايرما الذي يهب عندنا جاء من اجل التكفير عن الصمت المخجل على جرائم الاحتلال المستمرة منذ خمسين سنة.

عندما سينتهي كل شيء، ويصبح الضمير طاهرا، والبدلة مكوية، سيكون المرشحون لمنصب رئيس الحكومة بعد سقوط بنيامين نتنياهو هما نفتالي بينيت واييلت شكيد. حتى هذه الاثناء على الاقل، يدور الحديث عن شخصين نقيين، لهذا فان شعب اسرائيل، اليمين واليسار، يمكنه أن ينام بهدوء. فمنذ الآن سيتم القمع في المناطق بأيد نظيفة. والسجان الذي سيغلق باب الزنزانة على شعب كامل لن يسرق من الخزينة العامة.