آثار غزة في مواجهة آثار الانقسام

حسام أبو النصر

في الوقت الذي نواجه الهجمة الاسرائيلية المستمرة على المقدسات والمواقع الأثرية، لطمس الرواية التاريخية لحساب روايتها، مستعملة كل اساليب الهدم والعدوان والسرقة، رغم مطالباتنا الدولية بحماية هذا الارث من قبل منظمتي اليونسكو والايسسكو، لوقف عمليات السلب والتدمير المستمرة، تصر ايادي العبث المتورطة في الانقسام ان تجرّ هذا الارث الى حالة التجاذب السياسي بكل اسف، بعد اقحام سلطة الامر الواقع في غزة، الاثار الفلسطينية ضمن اوراق لعبة الانقسام، حينما اخذت قرار بمصادرة "تل السكن" احد اهم المواقع الاثرية في فلسطين، لصالح مشروعها بتوزيع الاراضي على موظفيها، غير مكترثة بالنداءات لوقف هذه الجريمة التاريخية، التي لأول مرة يجمع كل اساتذة التاريخ والاثار الاسلاميين والعلمانيين وكل الاطياف منهم، في الجامعة الاسلامية وجامعة القدس المفتوحة والازهر وغيرهم على خطورة ما يحدث، فتصدوا بصدورهم للجرافات، يقودهم عالم الاثار جون باتيست الذي اشرف على كثير من المكتشفات الاثرية، فاعتبر أن هذا التحرك يمحي اثار تعود لاكثر من 3500 ق.م بل يصل بعضها للعهد البرونزي ويضاهي كثير من المواقع العالمية بأقدميته، في مشهد تلتحم جدران الموقع بطوبه اللبني وحجره القديم المرصوص كسبائك الذهب تصارع الاندثار وتأبى الرحيل عن روح المكان، تحضن ما تبقى من جرار وأواني وهياكل عظمية اثرية تدل على العصور القديمة للانسان وتكتب تاريخ فلسطين بعبقه، بل وطبقات تشهد على مرور حضارات متعاقبة من زمن قصور الاسرة الاولى للفراعنة، حتى التاريخ ما قبل الحديث على مساحة لا تقل عن 85 دونما تغطيها كثبان الرمال وعوامل الزمن، تريد من خلالها سلطة حماس انشاء مباني اسكان وتوزيعها على موظفيها، في حين فشلت كل محاولات وقف العمليات لحماية المكان الذي اكتشف منه فقط اقل من 15 دونما فيما تخفي باقي المساحات اسرار وكنوز التاريخ، الذي يقرب من طريق حورس وكنيسة القديس هلاريون، والمقابر الكنعانية التي سرقت عام 1967 وغيرها من المواقع التي تشكل بمجموعها التاريخ الفلسطيني مما كتب وما لم يكتب، وحتى مسؤولي الاثار في غزة لم يستطيعوا رغم كل محاولاتهم منع هذه الاجراءات بحق الهوية الوطنية، والتصدي لخطورة التوسع العمراني على حساب التاريخ ومقتنياته، ورغم اننا لا نخفي كل ازمات غزة لكن معالجاتها لا تكون بهذا الشكل، بل بالرجوع الى لغة العقل والوحدة لايجاد خطط واستراتيجيات وطنية تعالج هذه القضايا، وعلينا ان نعترف انه لم تكن هناك بالاصل خطط بعيدة المدى تصل لحلول جذرية، واليوم الانقسام يفاقم المشكلة ويدعي حلها ولكن على حساب التاريخ والهوية من خلال معالجة مدمرة، والموضوع هنا لم يعد موضوع جدران وقليل من الاوباد الاثرية، بقدر ما هو موضوع التاريخ والحفاظ على دلالاته الاثرية ولا يجوز محو هذه الدلالات والاثار بايدي فلسطينة، بسبب حالة الانقسام المستمرة التي اتت على كل مظاهر الحياة وخربتها خاصة في غزة.