محمود درويش نص عصي على الموت

بقلم: باسم برهوم

هناك جزء ثابت في حياتي اليومية، أحاول المحافظة عليه رغم كل التطورات التي تجري من حولنا، هذا الجزء هو الذي أكرسه لقراءة شعر محمود درويش. السبب وراء هذا التقليد الذي تحول الى عادة يومية، هو رغبتي في ابقاء روحي الانسانية والوطنية حية، وان انقي عقلي مما يعلق به من شوائب في ذلك اليوم. باختصار ان ما اقوم به هو محاولة لاستلهام النقاء والصفاء والضمير الخير داخلي.
الرائع والمهم في عودتي اليومية هذه لشعر درويش انني، في كل مرة اندهش لاكتشاف شيء جديد وبعد لم اكن ادركته بالامس او امس الاول. الامر الذي جعلني ان اكون متأكدًا أن شعر محمود درويش هو نص عصي عن الموت، بمعنى انه نص يعيش عابرا للازمان.
تساءلت لماذا هو كذلك يتمتع بصفة الديمومة؟ بعد التفكير توصلت الى اجابة اعتقد انها هي من تعطي الديمومة لشعر درويش.
أولا: ما يتمتع به هذا النص من نقاء انساني وانحياز والتزام اخلاقي لا نظير له للبعد الانساني.
ثانيا: هذه الوطنية النقية في شعر محمود درويش وانحيازه الدائم لها، ليس هذا وحسب فإن شعر درويش هو اعادة صياغة انسانية وحضارية للهوية الوطنية والثقافية للشعب الفلسطيني. ثالثا: الكيفية التي تعامل بها درويش مع العدو الاسرائيلي- الصهيوني العنصري فهو ادرك بعمق هذه الطبيعة العنصرية وهذه الرواية الزائفة التي بنت عليها الصهيونية ذاتها، ورغم ادراكه مدى الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني جراء ذلك، فإنه بقي يتعامل مع هذا العدو بالمنطق الانساني فهو رفض ان يتحول الى عنصري متطرف حاقد ينفي الآخر، لأن هذا هو الفخ الذي تريد اسرائيل والصهيونية ان توقعنا به ان نتحول مثلها الى عنصريين ومتطرفين وحاقدين. ما اراد درويش هنا ان يقوله ان هذا العدو اذا، تخلص من كل هذه الصفات الاستعمارية الاحلالية لن يكون لنا مشكلة معه كإنسان.
رابعا: العمق المعرفي والثقافي الذي يقف خلف نصوص درويش الشعرية وهو عمق افقي وعمودي وشامل، لذلك لم يكن غريبًا انني في كل مرة اكتشف بعدا جديدا في هذا النص واندهش له. في نص درويش يتضح العمق في تشخيص طبيعة القضية والتاريخ والصراع ويكتشف ايضًا مدى عمقه في الفلسفة والاسطورة والدين.
خامسا: نص درويش لم يفقد البوصلة الوطنية يومًا ولا انحيازه الدائم وتبنيه للمشروع الوطني الفلسطيني. فقد انشأ نصًّا محكمًا انسانيًّا يمكن تسويقه وتبنيه عربيا وعالميًّا، لذلك لم يكن غريبًا ان يتحول شعر درويش الى اغانٍ وان يترجم الى عشرات اللغات.
بالتأكيد هذا ليس كل ما يقال او قد يقال عن نص محمود درويش الشعري لانني كقارئ يومي له سأكتشف غدا او بعد غد بعدًا جديدًا لهذا الشعر.
في ذكرى وفاتك التاسعة ايها الفلسطيني العظيم، ايها الانسان العظيم، نقول انك لم تمت انت خالد فينا في شعرك ونصك الشعري العصي عن الموت.