ميلاد الفكرة.. وأبو الوطنية

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- الفكرة التي ولدت في جسد، اسمها ياسر عرفات، هي حكاية الثورة التي تشكلت تفاصيلها بعلامة النصر التي تعتلي كوفية الثائر.
تمر ذكرى الميلاد ومن بعدها يوم الشهادة، تفيض التفاصيل من أطراف الحدث، وتزداد مع الزمن حجما وجمالا وبهاء وربما ألما، فلا غرابة باجتماع التناقضات في المشهد متعدد الزوايا، هي حكاية الياسر التي لا يمل التاريخ من إعادة نشرها والتذكير فيها، لتبدو وكأنها الثورة الوحيدة في هذا الكون.
ذكرى ميلاد الشهيد، هكذا يعيد الفلسطيني تذكير العالم ببطل الرواية، إحياء ذكرى ميلاد الراحلين، حدث لا تهتم به الكثير من دول العالم، لكن عند الحديث عن أبو عمار تتغير المعادلة وتنقلب كل المعايير وتتشكل معادلات لا تخضع إلا لقانون الفلسطيني الياسر الذي بنى في عيون الشهيد وطنا، ونسج على جدار الزمن حكاية الميلاد والشهادة وما بينهما من ثورة.
يوم الجمعة الماضي، أحيا شعبنا ذكرى ميلاد الشهيد ياسر عرفات، هو الموعد المتكرر سنويا في ذات الزمان والمختلف كليا في رصد المزيد من الاهتمام بشأن كل ما يتعلق بالياسر.
مواطنون تجمعوا وسط مدينة نابلس وأشعلوا شموعهم في ذكرى الميلاد، وراحوا يهتفون بميلاد الشهيد ورحيله، وأخذوا يقصون شيئا من روايات الزمان وسط إجماع على أن تاريخ الولادة في العام 1929 هو يوم "ميلاد فكرة الثورة".
عمر، طفل لم يعاصر أبو عمار في حياته، يغني لميلاد عمره تسعة عقود ويحدث من حوله "نفسي أموت وأبو عمار يرجع يعيش"، فأي ياسر هذا الذي يجعل طفلا لم يتم عقده الأول من العمر أن يتمنى الموت من أجل حياة أبو عمار.
سألناه عن سر كل هذا الحب، وبلا تردد ينطق بالمتوقع "حبيت أبو عمار من الخطابات، بسمعها كثير على الانترنت وما بمل منها، وأكثر شي بسمعه مقولة: (سيرفع شبل من اشبالنا، أو زهرة من زهراتنا، علم فلسطين، فوق اسوار القدس، ومآذن القدس، وكنائس القدس، القدس عاصمة دولة فلسطين، شاء من شاء، وأبى من أبى، واللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة)".
ما يأمله الطفل هو أن يكون هو هذا الشبل الذي يرفع العلم الفلسطيني حيثما أراد الشهيد أبو عمار.
ياسر عرفات الثائر يسكن قلب الفلسطيني أينما حل وارتحل، ومقولاته الخالدة عامرة في الذاكرة مهما نحت فيها عامل الزمن وأثر على صلابتها.
الفلسطيني أيا كان موقعه له قصة مع أبو عمار، فالأسير وجد فيه مناصرا للأسرى وذوو الشهيد كان خير سند لهم، والمريض لم يتردد الراحل في علاجه، ولم يُعرف عن الراحل أنه صد أحدا أو رد مواطنا خائبا.
صور أبو عمار تزين بيت الكثير من المواطنين، والكثيرون التقطوا صورا معه وزينوا بها صالات الضيوف. 
وفي نابلس ما إن يمر المواطن من حوش العطعوط حتى يتذكر الشهيد الراحل، فالمكان ليس مجرد حي سكني، ولا معلم تاريخي بالنسبة لأهالي نابلس، فهنا كان بعث الروح في الثورة من بعد نكسة 1967، وكان أبو عمار ماهرا في إعادة رفع المعنويات بعد الهزيمة والاستعداد للمرحلة التالية ورص الصفوف وفق خطط مدروسة.
ويروي اللواء المتقاعد عبدالإله الأتيرة ذكرياته مع الراحل أبو عمار في حوش العطعوط قبل خمسة عقود، مشيرا إلى أن الكل كان يعرف ياسر عرفات باسم أبو محمد، ولم يدرك المعظم من هو الزائر الجديد للحي. 
ويضيف الأتيرة "من حوش العطعوط تمت إعادة ترتيب الصفوف وتشكيل الخلايا العسكرية، أيام قليلة أمضاها أبو عمار هنا لكنها كانت كفيلة بإنجاز المهمة المطلوبة بنجاح في الوقت الذي كانت تسيطر فيه الفرقة والروح المنكسرة".
ولد أبو عمار ورحل، واستمرت الفكرة، وبقي أبو الوطنية خالدا في قلوب الفلسطينيين وذاكرتهم.