مدرسة "بنات أبو قش" تعزف لحن الانجاز

أحرزت ثلث العشرة الأوائل على رام الله والبيرة.. و​رسخت اسمها على خارطة الوطن رغم حداثة تجربة الثانوية العامة فيها

رام الله– الحياة الجديدة – نائل موسى- تعزف اوركسترا أسرة مدرسة بنات أبو قش الثانوية مجددا لحن المجد التميز، مبرهنة عاما بعد آخر على أن تفوقها ليس محض صدفة، وان أيدي العزيمة قادرة أن تصنع تاريخا وعراقة، رغم حداثة عهدها بالثانوية العامة.

ابو قش قرية صغيرة العدد والمساحة، تبعد 6 كم شمال مدينة رام الله العريقة في تاريخها ومدارسها ومؤسساتها، كثيرون كان يطلقون عليهم لقب "خربة" بمعناها السلبي التندري، فيما رسختها مدرسة الإناث بقوة على خارطة فلسطين بمتوالية النتائج المبهرة التي تتناوب على تحقيقها الطالبات والمعلمات والمديرات.

بلغة الأرقام، ثانوية أبو قش، واحدة من مئات المدارس في محافظة رام الله والبيرة، وطالبات الاثني عشر يشكلن نسبة لا تكاد تظهر على على شاشة الآلات الحاسبة من بين نحو 6000 طالب وطالبة ثانوية عامة، لكنها عند تقسيم كعكة التفوق تقتطع المدرسة نصيب الأسد على المستويين الوطني والمناطقي.

حلاوة مذاق المركزين الخامس مكرر بالفرع الأدبي على مستوى الوطن الذي احرزته المدرسة عام 2015 عبر طالبتيها ساجدة حسام عمر بياتنة وهند سامي حميدان شعث بمعدل 99.3، والذي جاء بعد عام من احراز اخلاص نبيل بياتنة المركز الأول على مستوى المحافظة، عادت لتحققه هذا العام أمل جمال بياتنة، ودينا صلاح العطشان، وفاطمة سامي شعث باقتناص 3 مراكز من العشر الأوائل على مستوى المحافظة، فيما القدر ربما عرقل احراز أمل مركزا على مستوى الوطن عندما تخلفت بعشري درجة بسبب نيسان فرع سؤال من مساق اللغة الانجليزية التي تعشقها.

نوتة الانجاز كانت في الأصل مفردات كتب بروح الفريق والعمل الجماعي والنظام والمسؤولية من جانب ادارة المدرسة والجد والاجتهاد في النقل السلس للكم المعرفي للمنهاج والتوزيع المدروس لثقل العبء الدراسي من جانب المعلمات والحماس الشديد من الطلاب وأولياء الأمور وسط حرص الجميع على المضي قدما بالمكانة المرموقة التي حققتها المدرسة والطالبات.

قائدة الاوركسترا المربية سوسن وصفي صافي مديرة المدرسة، تعيدها الفرحة المنقوصة قليلا الى سرد اولي فتذكر بان الأمر يتعلق بتجربة حديثة مع الثانوية العامة عمرها 7 سنوات فقط على صعيد المدرسة مقارنة مع مئات السنين لنظيراتها ضمن المحافظة والوطن.

وتتجلى عظمة الانجاز وقيمته اكثر مع المرور على معطيات ودلالات الأرقام، وتذكر مديرة المدرسة ان الحديث يدور عن الفوج السابع وعن 12 طالبة حققن نجاحا بنسبة 100 وحصدن 3 من العشر الأوائل على مستوى محافظة رام الله والبيرة فالطالبة آمال بياتنة التي حصلت على معدل 98,9 بفارق عشري درجة عن عاشر الأوائل على مستوى الوطن واحرزت المركز الثاني على مستوى المحافظة.

وباقي الطالبات أحرزن معدلات مرتفعة ومرضية حيث اتت النتائج على النحو التالي:

دينا صلاح العطشان 98,4

فاطمة سامي شعث 98,1

هنادي محفوظ أبو سمية 96,4

حورية مؤيد شلعوط 94,1

ريناد جمال زايد 86,4

براء عزمي شومان 86

ورع عماد بعيرات 80,4

ليالي ابراهيم قعد 76,6

رانيا عقل 68,9

خديجة محمود زايد 58,3

تجتهد صافي في اخفاء غصة في الصدر اذ ان مركزا واحدا بين العشر الاوائل على مستوى الوطن كان في متناول اليد، عندما تقول: النتيجة مرضية وهي ثمرة جهد متكامل وفريق عمل واحد تجند للوصول اليها.

وتتابع: ادارة المدرسة عملت بتكاتف مع الهيئة التدريسية والطالبات، ومع المجتمع المحلي ممثلا ببلدية سردا أبو قش، وأولياء الأمور (مجلس الأمهات) على مدى العام.

واوضحت صافي في تفصيل لدور اضلاع مثلث التفوق، قائلة: "البلدية ورغم تعاقب اربع رؤساء الا ان ما جمعهم دون استثناء هو تعاونهم المثمر مع ادارة المدرسة، ودعمها ماليا ومعنويا عبر الاسراع في تلبية طلبات تأهيل وترميم المدرسة، ومعنويا بالتحفيز عبر تنظيم احتفالات تكريم طلاب التوجيهي ودفع النفقات، وتكريم المتفوقين والتحفيز عبر الاعلان عن جائزة مالية لأي طالبة تحرز مركزا بين العشر الأوائل على مستوى الوطن.

وترى ان للنتيجة مذاق آخر، حيث ان الانجاز تحقق رغم ان هذا هو العام الأول لنظام الثانوية العامة "الانجاز" وما أثاره من قرارات وردود فعل وتوقعات وتوجسات بالتأكيد كان لها اثر وتداعيات بغض النظر عن نجاعة وأهمية النظام الجديد.

أسرار التفوق

وحول سر تفوق ونجاح المدرسة اللافت قالت صافي: في البداية سعينا لنرسخ في ذهن الطالبات انه بإمكان أي واحدة منهن أن تحقق النجاح والتفوق، وهذا أمر تعبوي نفسي مهم، وبالتوازي عملنا على إتباع طرق بسيطة وسهلة للتعلم بعيدا عن حشو المعلومات والتلقين.

واضافت: المدرسة اعتمدت إستراتيجية تدريس خاصة بها بعيدا عن التلقينـ وتتقدم أكثر باتجاه المدرسة الذكية، وذلك تحقق بالتعاون ودعم البلدية والتربية وأسرة المدرسة.

وبخصوص التوجه والارشاد قالت المربية صافي: منذ اليوم الأول، عملنا كادارة على اسداء النصح والارشاد والتوجيه للطالبات، من خلال المرشدة التربوية، ونظمنا لهن دورات بالتعاون مع جامعة بيرزيت حول ادارة الوقت وتنظيم الدراسة والأمور المتعلقة بالامتحان.

وأضافت صافي: في صلب منهجيتنا وفي أساسها عدم السماح بتراكم المادة وحث الطالبات على الأسرع في إنجاز الواجبات المنزلية على أكمل وجه مترافقا مع جهد يرمي الى تعزيز التحلي بالرغبة في التفوق وتحقيق التميز.

ولأجل ذلك، انتهجت المدرسات منذ اليوم الأول آلية تمنع كارثة تراكم المواد، وتدفع الطالبات على الدراسة أولا بأول والتأكد من ذلك عبر امتحانات يومية فيما تلقينه في اليوم الدراسي السابق إضافة الى امتحان أسبوعي، علاوة على الامتحانات المقررة من الوزارة.

وقدمت صافي شكرا خاصا لوزارة ووزير التربية والتعليم العالي د. صبري صيدم وأركان الوزارة على جهودهم، والى مديرية التربية والتعليم بمحافظة رام الله والبيرة ومديرها الأستاذ باسم عريقات، خاصا بالذكر الأستاذان قيس نبهان نائب مدير التربية وعصام العزة رئيس قسم متابعة الميدان على تعاونهما المباشر مع مدرستنا.

فرحة أبو قش عارمة باحراز القرية الصغيرة ثلث العشرة الأوائل على مستوى المحافظة وهو انجاز كبير بكل المقاييس خاصة انه يأتي بعد عام من انتزاع مركزين اثنين في نتائج امتحان الثانوية العامة، على مستوى الوطن.

 تفوق أصيل

واثبتت تجربة اوائل مدرسة بنات أبوقش ان التفوق لدى الطالبات ليس مقصورا على نتائج امتحان الثانوية العامة بل رافقهن في دراستهن الجامعية مثل بنات البلدة المتفوقات في مدارس اخرى مجاورة كـ هيا وأسيل وحلا علي، حيث حصلت اخلاص بياتنة - التي فتحت نافذة توفق المدرسة- المركز الأول على طلبة كلية الحقوق في جامعة بيرزيت حيث تدرس.

أمل.. اولى المدرسة وثانية المحافظة

الفرحة الغامرة تكاد تكون ملعثمة في منزل أمل بياتنة التي كادت تحرز مكانا بين العشرة الأوائل على مستوى الوطن وتخلفت بعشري درجة بسبب نسيان سؤال فرعي صغير في مادة اللغة الانجليزية.

والدة أمل تقول انها طالبة ذكية مجدة ومجتهدة منذ الصغر، والنتيجة العريضة التي حققتها، لم تكن مفاجئة لنا.

أمل، كانت تدرس ساعات قليلة في اليوم وفق برنامجها المعتاد، دون تغير يذكر اثناء فترة الامتحانات وحتى عشية كل امتحان، وبرنامجه بسيط وغير مكتظ وبعيد عن الإرهاق، وعندما تعود الى البيت بعد انتهاء دوام المدرسة، كانت تتناول غداءها وتراجع ما تلقته في المدرسة مركزة على الفهم بعيدا عن الحفظ ثم تذهب لأخذ قيلولة، فالراحة ضرورية للتركيز وتجدد النشاط والحيوية. وعندما تستيقظ تعود للمراجعة للفهم وترسيخ المعلومات ومنع تراكم الدراسة في أي مادة عليها.

وحسب الأم، اعتادت أمل انهاء دراستها الساعة التاسعة مساء، والنوم الساعة في العاشرة، والاستيقاظ باكرا لمراجعة دروسها والتحضير لدروس اليوم التالي حيث تفهمه قبل ان تشرحه المدرسات.

ورغم ان الانجليزي كان السبب وراء حرمانها من تسجيل اسمها بين العشرة الأوائل، تحتفظ أمل بعشقها للانجليزية وللتقوية فيها حيث كانت التحقت بدورات في " الامديست" وهي عازمة على دراسة الأدب الانجليزي.

وحكاية أمل تكررت مع مادة التاريخ التي تحبها، اذا فقدت علامة واحدة فيها وحصلت على 99% بعد ان احتارت في احد الأسئلة الفرعية علما انها احرزت 148 في العربي.

تقول والدة أمل: وفرنا لها الأجواء المناسبة في البيت وكنا نعلم انها مجدة ومجتهدة وستحقق نتيجة مبهرة ورغم ذلك هي لم تغير من عادتها اليومية في الدراسة وكانت مرتاحة ولم تشعر بقلق أو توتر ولم تعكس على البيت أجواء خاصة.

فاطمة شعث

وعلى هدي انجاز شقيقتها هند مضت فاطمة شعث محاولة تعزيز انجاز مدرستها وأسرتها وتأكيد تفوقها الشخصي.

والدهما الدكتور في جامعة بيرزيت سامي شعث من واقع الخبرة والدراية العلمية يرى ان هذا النجاح المبهر لمدرسة بنات أبوقش يعود أساسا الى عطاء أسرة المدرسة إدارة وهيئة تدريسية، والى تعاون وتواصل أولياء امور الطالبات ومتابعتهم لتقدم بناتهم مع الادارة والمعلمات.

ورأى شعث ان عدد الطالبات في المدرسة نموذجي حيث لا يعانين من الاكتظاظ في الصفوف ويتوافق مع المعايير الدولية وهذا عامل مساعد في تحقيق التفوق.

وقال: تجربتنا مع المدرسة ونتائجها الكبيرة ليست جديدة، فقد سبقت فاطمة شقيقتها هند التي احرزت في عام 2015 خامس العشرة الأوائل على مستوى الوطن وتقاسمته مع زميلتها في ذات المدرسة (خامس مكرر) بمعدل 99,3.

هند تدرس اليوم الأدب الانجليزي كتخصص رئيس مع تخصصين فرعيين احدهما ترجمة والآخر إدارة أعمال، فيما لم تحسم فاطمة أمرها، وهي مترددة حتى اللحظة ما بين القانون واللغة الفرنسية والمحاسبة.

 د. شعث يرى ان مدرسة بنات أبو قش الثانوية، وضعت قدمها على طريق التميز والتفوق منذ عام 2000 عندما اضيف الصف الثاني الثانوي "التوجيهي" لأول مرة وحققت نتائح متقدمة.

وقال: هذه النتائج المبهرة، شكلت تحديا ايجابيا لادارة المدرسة ومعلماتها والطالبات للحفاظ على هذا التميز والنجاح والارتقاء به، وشكل من جانب آخر عامل تنافس وحافزا ايضا للطالبات أنفسهن اللواتي شعرن ان عليهن ايضا مسؤولية للحفاظ على هذا المستوى لأجل سمعة المدرسة وأنفسهن كذلك ضمن تنافس ايجابي بين الصديقات حيث كل طالبة تسعى لتبرهن انها قادرة ومتميزة، او على الأقل ليست أقل قدرة.

وحول النظام التي اتبعته فاطمة في الدراسة خصوصا ابان فترة الامتحانات، قال شعث: نحن لدينا في البيت تجربة مع التفوق وهذا الامتحان، وبالتالي كانت الأجواء معتادة، وفاطمة لم يكن لها متطلبات إضافية ودراستها اثناء فترة اداء الامتحان وعاداتها لم تتغير تقريبا.

مدرسة بنات أبو قش الصغيرة بعدد طالباتها وسنوات الخبرة تبطل النظرية وتشذ القاعدة وتثبت أن المجد تصنعه الارادة.