تغريدة الصباح - ستولد فلسطينيا.. ذات يوم

حنان باكير

هوس بالأمكنة يسكنني؟ ربما، لكن هل كل الأمكنة لها القدرة ذاتها، في ترك أثرها على جلدك، أو هي تحفر عميقا في وجدانك؟ وكيف اذا

ارتبط المكان، بمناسبات، أو لقاء شخصيات، متميّزة ومتفردة، بحضورها ووطنيتها، وعشقها لوطن نشتهيه ونتعشقه.

المكان الشوف في جبل لبنان، وتحديدا في مدينة بعقلين. التي ارتبطت بالأمراء المعنيين، والأمير فخر الدين المعني الكبير. ولم يدر في خلدي ذات يوم، بأني سأزورها، وأبني لنفسي تاريخا صغيرا يخصني، ومفصلا على قياسي، وأن ألتقي بشخصية، تترك كبير الأثر في كل من التقاها.

يوم قامت جمعية "ممكن" اللبنانية، بإصدار الطبعة الثالثة من روايتي "أجفان عكا"، كان من ضمن حفلات التوقيع، واحدة منها في مدينة بعقلين. كنت منهمكة بالتوقيع، عندما أخبرتني رئيسة الجمعية الصديقة غادة فغالي، وقالت لي بشيء من الدهشة.. لقد حضر فضيلة قاضي المذهب الدرزي في بعقلين الشيخ فؤاد البعيني! إنه في غرفة الاستقبال، تعالي وسلّمي عليه، لكن مش باليد.

كنت قد سمعت الكثير عن دكتور فؤاد البعيني، رجل الدين المتنور والمنفتح على كافة الثقافات، وروحه الوطنية، وعشقه لفلسطين. والآن جاءتني الفرصة لألتقيه شخصيا. توجهت نحو غرفة الإستقبال، رآني قادمة.. انتصب بقامته الشامخة، وطلب مني العودة الى طاولتي وقال: نحن من سيذهب الى فلسطين، وليست فلسطين من سيأتي إلينا! تبادلنا التحيات، وألقى كلمة عاطفية، عن فلسطين وعن أهلها.. في الوطن وفي بلاد التيه!

 كابدت حتى ألجم دمعات تجمعت في المآقي.. رددت بكلمة عاطفية، عن لبنان الذي حمل معنا صليب القضية، وعن تاريخ طائفة الموحدين الكريمة، ونضالهم الى جانب قضيتنا الإنسانية، ومواقف الزعيم الشهيد كمال جنبلاط. وتشريف فضيلته لنا بتلك الزيارة والمشاركة.. فأعرب عن سعادته، باستضافة بعقلين، لكاتبة فلسطينية.

كنا نودّ تقديم نسخة هدية له. لكنه رفض الأمر واشترى عدة نسخ، لتقديمها هدايا. حمل الكتب، ووقف في الطابور بين الحضور، الذين سارعوا بفسح المجال له.. أيضا رفض وحافظ على دوره، في الطابور.

تلك المناسبة التي منحتني فرحا لا يوصف، تمنيت تكرارها، ورغبت في جلسة هادئة، مع رجل اتسع أفقه الانساني، من دون المساس بالحقوق العادلة للشعوب المقهورة.

مرت سنتان.. وعدت الى بعقلين، لحضور مهرجان وطني. تقدم مني رجل، تذكرت وجهه، سلّم وأبلغني سلاما من صاحب الفضيلة د. فؤاد البعيني.. وقال إنه يحب كتاباتي، ويسأل إن صدر لي كتب جديدة!

قبل شهرين وبرفقة صديق توجهنا نحو بعقلين. والتقيناه في مكتبه، وتنازل لنا عن استراحة وجبة الغداء. وامتدت الجلسة، وموضوعات شتى، كانت مدار حديثنا. عن فلسطين، قال فضيلته وبعاطفة ظاهرة: تعرفين، أننا كموحدين، نؤمن بالتقمص، وأتمنى أن أولد فلسطينيا، في جيل لاحق! يا لها من بداية، تختصر تاريخ ومواقف الرجل.

سألته عن بداية تعرفه وعلاقته بالقضية. سرح الى البعيد.. الى ذلك الزمن، يوم كان طفلا ثم يافعا، في منطقة طريق الجديدة. قال: كنت أذهب الى مخيم صبرا. حقا كان يهزّني من أعماقي، مشهد البؤس، ونمط الحياة فيه. لكن أكثر ما حفر بي، وما زلت أستحضر وخزات وجعه، هو اعتيادي، رؤية رجل يقف حاملا "الميكرفون"، وينادي بأسماء يحضر أصحابها بسرعة، تشي لك بأن التأخير عواقبه وخيمة. ثم يُقادون بإذلال الى مكان لا أدريه! تكررت زياراتي لذلك المكان، وبدأت علاقتي بالمخيم وبالقضية.

عن الوضع الراهن يرى أن لا خوف على فلسطين، فالإنسان الفلسطيني، مبدع ومبتكر، في ابتداع وسائل للمقاومة والصمود، ابتداء من الكلمة واللوحة والإسهامات الحضارية، الى الحجر والقبضة، ثم الماء والملح.. ونحن نعرف كيف، تحول كوب الماء والملح الى سلاح فعّال!

وعن زيارة فلسطين، قال: حلمي وأمنيتي، أن أزور فلسطين ويركا وعسفيا، ولولا هذه الجبّة، وأمسك بطرف لباسه الديني، لكنت زرتها. بشكل شخصي وفردي، أما من موقعي كرجل دين، فسوف يُساء ويُستغل فهم الزيارة!

ليس صعبا عليك، اكتشاف شغف الرجل بالقراءة، وروحه النقدية الجادة، بغير تجريح، ومتانة لغته، وتفكيره المنفتح على فضاءات كثيرة.. ودّعناه، على وعد بزيارة خاصة.. بعقلين تستحق الزيارة، وفضيلته يستحق منّا مقابلة، لتدوين ذاكرته، وتاريخ مرحلة ليست ببعيدة عنّا..