غزة.. وسؤال المصير

علامات على الطريق.. يحيى رباح

التقرير الذي صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة، والذي يقول إن هناك احتمالا كبيرا بأن قطاع غزة لم يعد يصلح للحياة بعد عشر سنوات من وقوعه تحت حكم حماس، هو تقرير صادم بكل معنى الكلمة ويثير أعلى قدر من مشاعر الحزن والإحباط واليأس، فهذا الشريط الضيق من الأرض المخنوق بين الماء والصحراء، والذي يعتبر الأكثر ازدحاما في العالم، كان له مجد الحفاظ على الاسم الفلسطيني مقرونا بالجغرافيا بعد نكبة عام 1948، وفيه احتشد القدر الأكبر من الهوية الفلسطينية من عكا في اقصى الشمال الى أطراف النخب اقصى الجنوب، ومنه انبثق أول كيان سياسي فلسطيني وهو حكومة عموم فلسطين التي خذلت عربيا بالكامل بعد ذلك، وفيه تشكلت من جديد نواة الحركة الوطنية الفلسطينية بأحزابها الكثيرة، وانطلقت منه نواة العمل الفلسطيني المسلح في بداية الخمسينيات على يد فتى فلسطيني أصبح أحد رموز الكفاح المسلح عالميا ((خليل الوزير أبو جهاد))، وانطلقت منه حركة الفدائيين رسميا بقيادة مصطفى حافظ عام 1955، وكان أول لبنة في منظمة التحرير، وأول الرصاص، وأول الحجارة، وأول اسقاط لمشاريع التوطين، وأول الوطن المتاح في اتفاق اعلان المبادئ ((أوسلو))، يكاد اليوم تحت حكم حماس يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لماذا؟؟؟ لأن حماس، نموذج للاخوان المسلمين، قبلت بعيون مفتوحة شروط الجنرال شارون حين انسحب من قطاع غزة من طرف واحد "أي دون حوار أو تنسيق مع الشرعية الفلسطينية"، وكان شرطه الوحيد مع حماس هو ان تأخذ قطاع غزة خارج المسار والمصير الفلسطيني، وهي نظرية قديمة فكرت فيها إسرائيل منذ العام 1985، حين بحثت بعمق مشاكل قطاع غزة المتراكمة، ومعدلات زيادة السكان المتوقعة، ونقص الموارد في المياه التي احتجزتها، والأرض التي حاصرتها، وخرجت باستنتاج أن القطاع بدون أن يكون جزءا عضويا من فلسطين فإنه يشكل مشكلة متراكمة يائسة، وأوصت في ذلك الوقت بالانسحاب، والفكاك من المسؤولية، ووضعها على ظهر الحركة الإسلامية - المجمع الإسلامي آنذاك - وانشئت حماس على هذه الخلفية، ومارست فعل الانقسام والانفصال من اليوم الأول، طوال سنوات الانتفاضة الأولى، رفض الاشتراك في الكفاح المسلح الفلسطيني، عدم الاعتراف بمنظمة التحرير ورفض الانخراط في نظامها الجبهوي، بل إنه حين قبلت الشرعية الفلسطينية بعد انتخابات 2006 بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاستها طبقا لاتفاق مكة، فإن الاتفاق مع إسرائيل هو الذي رأى النور فعلا، وانقلبت حماس على حكومة برئاستها حتى يومنا هذا.
الاخوان المسلمين في مصر والمنطقة لعبوا دورا قذرا أو غبيا في آن واحد، ولكن الدور الفعلي هو اتفاق حماس واتفاق الإخوان وإسرائيل، وورقة المصالحة المصرية ظلت كلاما بعيدا عن التطبيق بفعل إسرائيل أساسا مع بعض المشاركات من الاخوان المسلمين الذين اصبحوا فلولا مهزومة وينتمون إلى النهايات بعد ان خرجوا من دائرة الفعل وأصبحوا يتعيشون على الخيانات المكشوفة، وكل رؤية للامور غير ذلك هي افتراضات مزورة وشعوذات غير منطقية، واذا كانت حماس قد أصبحت في سنوات الانقسام تقول لخالد مشعل رئيسها ((أهل غزة ادرى بشعابها)) فهي تقول اليوم لإسماعيل هنية رئيسها الجديد، من أنت لأن اتفاقها الرئيسي مع إسرائيل، ومع عملاء إسرائيل خارج حماس، ومع المتداخلين في المصالح مع إسرائيل من الاشقاء العرب هنا وهناك، وسوف تكشف الأمور أكثر في المداولات التي تدور حول الازمة العربية الراهنة التى يسعى تيلرسون الى إنهائها ويسعى الرئيس الفرنسي والحكومة البريطانية الى إنهائها، ولكن الجزء الموجع في الازمة أكبر من المكشوف بكثير جدا.
المشكلة لن تحل من تلقاء ذاتها، والانقسام المفتوح على الانفصال المأساوي لن ينتهى بصحوة ضمير، لأن ضمير حماس والاخوان المسلمين غير قابل للصحوة، وفاقد الأهلية للصحوة، لا بد من إدارة هذا الملف بكيفيات جديدة، وبقدرات جديدة، وبنمط علاقات جديدة، أما طريقة اللعب في خط الوسط، واقتراح التواصل مع كل عدو، والعلاقة المفتوحة مع النقائض، فهذه أساليب لا تؤدي بحماس سوى الاستمرار في القتل الممنهج لجزء جوهري من الشعب والوطن اسمه قطاع غزة.
[email protected]